أزمة الفكة تؤرق حياة البائعين والمشترين في غزة
تحولت أزمة نقص العملات المعدنية «الفكة» إلى كابوس يومي يلاحق الغزيين، من الباعة إلى المشترين، من الركاب إلى السائقين، من النساء إلى الأطفال إلى كل فئات المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة.


تحولت أزمة نقص العملات المعدنية «الفكة» إلى كابوس يومي يلاحق الغزيين، من الباعة إلى المشترين، من الركاب إلى السائقين، من النساء إلى الأطفال إلى كل فئات المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة الذي يعيش في حرب إبادة جماعية منذ ما يزيد عن 22 شهراً.
امتهان الكرامة
بوجه متجهم تقول ياسمين صيام (29 عاماً) لـ«الأخبار»: «امتهنت كرامتنا، أصبحنا نشعر بالذل إذا ما أردنا شراء أي من حاجياتنا أو الذهاب إلى أي مكان نريده»، وتشير إلى أن «حياتنا أصبحت مرهونة بالفكة، تسوّق، مواصلات، شحن جوال، أو أي أمر آخر كله مرهون بالفكة».
وتوضح أن أصعب ما مر بها عندما قررت اصطحاب طفليها بمناسبة يوم ميلاد أحدهما إلى المتنزه الوحيد في مدينة غزة، قائلة: «ركبت السيارة وقدمت الورقة النقدية، وإذا به يرفضها ويطلب بدلاً منها الفكة، وهنا اضطررت إلى النزول من السيارة والتجول بين الباعة في محيط المكان من أجل الحصول على فكة ولم أجد للأسف».
تضيف صيام: «اعتذرت من صغيري الذي أخذ يبكي، فتوجهت لشراء مثلجات كي أراضيه، إلا أن ذات الأزمة واجهتنا فقفلت عائدة إلى البيت ما زاد من بكاء طفلي، فاهتديت إلى فكرة شراء هدية من أحد المكاتب المجاورة، وبعدما اختار لعبته وحملها كانت ذات الجملة من البائع لا يوجد فكة»، موضحة أنه «عندما رأى البائع إصرار طفلي على أخذ الهدية، أخبرني أنه يعرف زوجي ويمكن لي أخذها والدفع لاحقاً، لينقذني من كسر خاطر طفلي لو أنني اضطررت إلى إعادتها».
شعور بالذل
بينما يتنقل محمد فتحي (43 عاماً) من بسطة إلى أخرى بحثاً عن نقود معدنية كي يتمكن من شراء مؤونته للبيت، يعرب، في حديثه لـ«الأخبار»، عن صعوبة وقتامة الوضع «فلا يوجد مصدر دخل ثابت، وأسعار البضائع المتوافرة مرتفعة، والأوراق النقدية مهترئة، لتأتي معضلة الفكة وتزيد الوضع سوءاً»، ليضيف أنه «ما إن تقف أما السائق أو البائع حتى يكون السؤال: معك فكة؟ بعدما كان السؤال: تفضل كيف أساعدك؟ وهنا تجد نفسك محاصراً بين حاجتك وعدم توافر الفكة في يدك».
-
تحولت الفكة إلى كابوس يومي يلاحق الغزيين (أ ف ب)
يوضح فتحي أنه «كثيراً ما كنت أعود إلى البيت وليس بيدي شيء لعدم توافر الفكة، وها أنا الآن بحاجة إلى 2 كيلو من الطحين ولا يوجد مع البائع فكة، لأواجه خيارين لا ثالث لهما، إما أن أعود إلى البيت من دون إحضار الطحين، أو أشتري بالباقي شيئاً آخر لا أحتاجه».
ولا يختلف حال العشرينية هديل الحسني عمن سبقها، التي تعبر لـ«الأخبار» عن شعورها بـ«انفراجة عظيمة» عندما وجدت حفاضات لطفلتها لدى أحد الباعة، وتشير إلى أن فرحتها الكبيرة سرعان ما ذهبت أدراج الرياح بعدما رد البائع بعدم وجود فكة.
وتقول: «قدمت ورقة نقدية أقل من سابقتها إلا أن رده كان ذاته، أريد فكة، فكان رد فعلي شديداً وقلت له: لن أتحرك من هذا المكان إلا والحفاضات معي وعليك تدبير الفكة، وهنا اضطر الرجل إلى الأخذ من جاره حتى يسهل بيعتي»، آسفة للذل الذي أحست به علماً أنها تضاعف ثمن مشترياتها.
في المقابل، يؤكد بائع المواد الغذائية في سوق الشيخ رضوان محمد العوضي، في حديث لـ«الأخبار» أنه يعاني كما المشتري من أزمة العملات النقدية والتي تدفعه لعدم إتمام عملية البيع للمشتري في حال لم يتوافر لديه فكة، ويقول بحنق محموم «إن بقيت الأمور النقدية على هذا الحال سوف أتكبد خسائر جمة، لأن البضاعة تبقى على ما هي عليه ولا أستطيع أن أبيعها».
ويضيف العوضي أن «الزبون يحضر ومعه أوراق نقدية كبيرة، وأحياناً مهترئة، بينما حاجته ما بين خمسة إلى عشرة شواكل، وهنا أعجز عن إعادة ما تبقى من مال للمشتري، فيأخذ ورقته النقدية ويترك مشترياته ويمشي خائباً، وقلبي يحترق لإضاعة فرصة بيع جديدة».
حجج واهية وغير منطقية
إزاء ذلك، يرجع المختص في الشأن الاقتصادي محمد بربخ، أساس أزمة نقص العملات المعدنية وعدم السيطرة عليها في قطاع غزة، إلى أن العملة المتداولة ليست فلسطينية وإنما عملة تتبع للاحتلال الإسرائيلي «وبالتالي صاحب العملة هو الذي يتحكم بإدخال الكميات التي يراها مناسبة من وجهة نظره وتخدم سياسته، وهو ما يعني عدم وجود استقلالية نقدية تتحكم في حركة العملة».
-
أسعار البضائع المتوافرة مرتفعة والأوراق النقدية مهترئة (أ ف ب)
ويوضح بربخ لـ«الأخبار» أن من بين أسباب الأزمة تعرض عدد كبير من العملات الورقية للتلف والتحييد مثل فئة الـ 10 شواكل المعدنية و«لحجج واهية وغير منطقية»، مشيراً إلى أن «سياسة الاحتلال الإسرائيلي بصفته المتحكم في المعابر الحدودية للقطاع وفقاً لبروتوكول باريس الاقتصادي، فاقمت من أزمة العملات النقدية والورقية، والذي يمنع دخول العملات إلى القطاع مذ بدأت حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول 2023 وحتى الآن».
ويبين أن أساليب المنتفعين من التجار وأفكارهم النفعية في ظل عدم وجود تدخلات رادعة من جهات الاختصاص الفلسطينية زادت من أزمة العملات النقدية سواء المعدنية أو الورقية، «وهو ما يحتاج إلى إنشاء صناديق العملات المعدنية أو ما يعرف بالفكة لتجميع الفوائض منها لدى البعض بهدف تدويرها على الآخرين».
ويختم بربخ بالدعوة إلى الضغط على الاحتلال لإدخال كميات كافية من العملات الورقية والمعدنية وسحب القديم وغير الصالح والمهترئ، وكذلك تعزيز الدفع الإلكتروني والبطاقات والمحافظ الرقمية، مع استخدام ما يسمى البطاقات الرقمية للدفع في المعاملات اليومية.
