
غزة | استيقظ أهالي حي الصفطاوي الذي يربط محافظة شمال قطاع غزة بالأحياء الشمالية لمدينة غزة، على وقع قصف مدفعي مكثّف، تزامن مع توغّل لعدد من الآليات وإطباق ناري من طائرات «الكوادكابتر». وسقط العشرات من الشهداء والمصابين في غضون الدقائق الأولى للتوغّل المحدود، فيما وجَدت المئات من العائلات نفسها محاصرة بالنار، وسط مطالبة طائرات «الكوادكابتر» للسكان بالإخلاء العاجل إلى جنوب القطاع.
وفور عودة الهدوء، لم تجد الآلاف من العائلات خياراً سوى النزوح إلى المجهول. وعند مفترق الصاروخ في بداية شارع الجلاء، كان المشهد بائساً، حيث قطع الأهالي مسافات طويلة سيراً على الأقدام وهم يحملون ما يستطيعون من أغطية وطعام، وعلى الألسن سؤال واحد: «وين نروح؟». وتقول الحاجة عائشة أبو سلطان إنها خرجت من المنزل بعدما سقطت قذيفة مباشرة في فناء منزلها. وتضيف: «نحن عائلة مكوّنة من عشرة أفراد، ليس لدينا خيار آخر.
لا يوجد في دير البلح أو خانيونس مكان فارغ ننزح إليه، ولا حتى متر واحد من الأرض ننصب فيه خيمة، وتكاليف النقل والمواصلات وسعر الخيمة تصل إلى 3 آلاف دولار. من يمتلك هذا المبلغ في هذا الوضع الصعب؟ ومن يستطيع تأسيس نفسه من الصفر مجدّداً؟». هكذا، نزحت أبو سلطان ومعها مئات العائلات، إلى المناطق الغربية من شمال القطاع، في أحياء الكرامة والشاطئ والرمال، فيما سُجّلت نسبة نزوح محدودة جدّاً إلى جنوب الوادي.
في حي الصفطاوي، وقبله في أحياء جباليا البلد وجباليا النزلة ومنطقة أبو إسكندر في حي الشيخ رضوان، طبّق جيش الاحتلال تكتيك الإخلاء بالنار والقصف. وتبدأ تلك العمليات عادة بتفجير روبوتات مفخّخة بكمية من المواد المتفجّرة تتجاوز الـ4 أطنان وسط المنازل. وفي حال عدم الاستجابة، وهو ما يتكرّر دائماً، يضع العدو السكان تحت أعلى مستويات الضغط، عبر استخدام جميع أنواع الوسائط النارية بكثافة مرتفعة جداً، واستهداف كل من يتحرّك. وفي مقابل هذا الضغط الرهيب، لا يجد الأهالي خياراً سوى النجاة بأنفسهم وأطفالهم أياً كان قرارهم المسبق.
إغلاق شارع الرشيد في أي وقت، سيكون الخطوة الأخيرة قبل بدء عملية تدمير المدينة واقتحامها
وبإخلاء حي الصفطاوي وأحياء جباليا النزلة وجباليا البلد والزرقاء، وتوجيه منشورات لإخلاء منطقة المشاهرة في حي التفاح وشارع يافا، يكون استكمل جيش الاحتلال تطويق مدينة غزة من الجهات الثلاث، خصوصاً بعدما أتمّ في وقت سابق إخلاء وتدمير حي الزيتون والأطراف الجنوبية من حي الصبرة. كما يعزل بذلك مدينة غزة وبقية أحيائها التي تؤوي نحو مليون نسمة، عن باقي مناطق القطاع التي يربطها بها فقط شارع الرشيد الذي يمرّ من محور «نتساريم»، ما يعني أنّ إغلاق «الرشيد» في أي وقت، يمثّل إطباقاً كاملاً للحصار، وسيكون الخطوة الأخيرة قبل بدء عملية تدمير المدينة واقتحامها.
ويتزامن كل ذلك، مع مضاعفة جيش الاحتلال للمجازر الجماعية وعمليات الاستهداف المتعمّد للأسواق العامة والمناطق الشعبية المكتظّة، والتي يهدف منها إلى حرمان المواطنين من الشعور بالأمان؛ إذ قصف، أمس، سوقاً شعبية في شارع فهمي بيك وسط البلدة القديمة في غزة، ما تسبّب في استشهاد 5 مواطنين وإصابة 60 آخرين بجروح متفاوتة. كما قصف بعشرات القذائف، المنازل المأهولة في حيَّي أبو إسكندر وجباليا النزلة، متسبّباً في استشهاد عدد من المواطنين داخل منازلهم. وجرى هذا كله بالتزامن مع تحليق مكثّف لطائرات «الكوادكابتر» التي تطلق النار بشكل عشوائي في المفترقات العامة وتجاه منازل المواطنين على مدار الساعة.
وفي الحصيلة، سجّلت المصادر الطبّية، أمس، استشهاد 60 مواطناً في مختلف مناطق القطاع، من بينهم 10 من منتظري المساعدات عند محوري «زيكيم» و«نتساريم»، فيما أعلنت وزارة الصحة على لسان مدير مستشفى «الشفاء»، محمد أبو سلمية، عن انهيار شبه كلّي للمنظومة الصحية في مدينة غزة وشمالها. وقال أبو سلمية، في تصريحات صحافية، إنّ القدرة الاستيعابية للمستشفيات تجاوزت الـ300%، وإنّ العشرات من المصابين يتلقّون العلاج على البلاط ومن دون أسرّة، في حين تمتلئ ثلّاجات الموتى بالشهداء، وتزدحم جداول الانتظار بالعشرات من العمليات المهمّة والحسّاسة التي لا يستطيع الأطباء التعامل معها. كذلك، أكّد أنّ المستهلكات الطبّية ومعدّات التخدير وتطهير الجروح شارفت على النفاد.

