الشلل الرخو الحاد يفتك بأطفال قطاع غزة
يبدأ الشلل الرخو بفقدان القدرة على الوقوف والمشي ويتمدد حتى يصل إلى عضلات القفص الصدري المسؤول عن التنفس، ثم عدم القدرة على البلع، ليصبح المصاب بحاجة الأجهزة الطبية للبقاء على قيد الحياة.


أطفال في عمر الزهور، حرمهم الاحتلال الإسرائيلي جلّ مقومات الحياة الإنسانية، وأبسط الحقوق الطفولية، كالعيش في بيئة صحية آمنة من الأمراض. وفي ظل حرب الإبادة الجماعية، انتشر في قطاع غزة عدد من الأمراض النادرة، من بينها الشلل الرخو الحاد.
هيئته كالهيكل العظمي
ومن بين الأطفال الذين أصيبوا بذلك المرض، الطفل سيف أبو وردة ذو الستة أعوام، والذي يرقد على سرير العلاج في قسم العناية المكثفة بمستشفى الدكتور عبد العزيز الرنتيسي للأطفال، يتصل بعنقه أنبوبان موصولان بجهاز التنفس الاصطناعي، وخرطوم آخر يصل إلى معدته من أجل تغذية جسده الذي أنهكه المرض النادر وقضى على نصف وزنه، يعي ما يدور حوله إلا أنه لا يستطيع التحدث أو التعبير عن آلامه.

وتشرح والدة الطفل سيف ما حدث لصغيرها، إلى «الأخبار» قائلة «قبل ثلاثين يوماً من الآن كان يعيش حياة طبيعية، يلعب ويلهو ويساعدني في أعمال البيت، فجأة أغمي عليه، حملته وحضرت به على وجه السرعة إلى المشفى، الذي اشتبه في بادئ الأمر بإصابته بحمى شوكية، ليتبين في اليوم التالي أنه يعاني من ارتخاء في الأعصاب بدءاً من الأطراف وحتى البلع، ليتم على إثر ذلك إدخاله لقسم العناية المكثفة وتشخيص حالته بما يعرف بالشلل الرخو الحاد».
وتوضح الأم بحرقة أن وزن طفلها انخفض إلى النصف تقريباً لـ«تصبح هيئته على شكل هيكل عظمي، فلم يعد يدخل الطعام إلى جوفه، ويعتمد فقط على الحليب والطعام المطحون الذي لا أستطيع توفيره حالياً في ظل ندرة الخضار وغلاء سعرها، فضلاً عن عدم توافر الكهرباء كي أقوم بطحنها وإحضارها له»، لافتة إلى أن عائلتها مشتتة وغير مستقرة بعد اضطرارها إلى «النزوح من مكان السكن في جباليا النزلة بعدما دمر الاحتلال منزلنا وسوّاه بالأرض».
وتناشد الأم المؤسسات الدولية وخاصة التي تعنى بالطفولة العمل على مساعدتها والاستعجال في تحويل طفلها إلى الخارج «فالعلاج هنا شحيح جداً، ولعدم توافر الأجهزة الطبية المتخصصة يكون التقدم في الحالة بطيئاً جداً».
آلام نفسية وجسدية
وفي حالة مشابهة، لا تزال تعاني الطفلة لارا البطران ذات الثمانية أعوام من الشلل الرخو الحاد، والتي خرجت قبل أيام من قسم العناية المركزة إلى قسم رعاية المرضى.
-
عجز تجاه الوضع الذي تنعدم فيه مقومات الحياة الإنسانية الكريمة (أ ف ب)
وتقول الأم المكلومة لـ«الأخبار» إنه لم يكن يظهر على طفلتها أي علامة تدل على مرضها، لتستيقظ فجأة من النوم وعلامات المرض بادية على وجهها، فتوجهت بها إلى المستشفى وأدخلها مباشرة إلى غرفة قسم العناية المكثفة، حيث شخّص الأطباء حالتها بالشلل الرخو الحاد، و«بدأت تفقد أعصاب أطرافها السفلية، وشيئاً فشيئاً حتى انقطع النفس عنها»، ما اضطر الأطباء إلى «إجراء فتحة في الرقبة وإيصالها بجهاز تنفس اصطناعي».
وتضيف الأم أنه «بعد شهرين من العلاج المكثف، تخلّت لارا عن جهاز التنفس الصناعي وبدأت تحرك يديها قليلاً»، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى جلسات علاجية من الأدوية والعلاج الطبيعي كي تستطيع المشي وتعود حركتها طبيعية كما كانت في السابق.
وإلى جانب مرض صغيرتها الذي ضاعف من آلامها النفسية والجسدية، فقدت والدة لارا زوجها خلال حرب الإبادة ولا تزال ترعى طفلة أخرى تعاني من ضمور في المخ وتدهور متسارع في حالتها الصحية بسبب نقص الغذاء والدواء، وتعبّر عن واقعها بالقول: «ماذا عساي أفعل في ظل هذا الوضع الذي تنعدم فيه مقومات الحياة الإنسانية الكريمة؟».
ما هو الشلل الرخو؟
الشلل الرخو أو كما يعرف طبياً بمتلازمة «غيلان باريه» هو نوع من أنواع الشلل يتميز بضعف أو فقدان في القدرة على تحريك العضلات مع ارتخاء واضح في الأطراف، دون تصلب أو تشنج، ويحدث نتيجة تلف أو خلل في الأعصاب الحركية التي تغذي العضلات.
-
ما يزيد على 100 حالة من المصابين بالشلل الرخو خلال الشهرين الأخيرين (أ ف ب)
ويعرّف الدكتور رفعت جندية، طبيب العناية المكثفة في مستشفى الدكتور عبد العزيز الرنتيسي للأطفال، الشلل الرخو الحاد بأنه عدوى فيروسية أو بكتيرية، كالإنفلونزا أو النزلة المعوية، تؤثر على الجهاز المناعي وتصيبه بخلل يدفعه إلى مقاومة الغشاء المحيط بالأعصاب الطرفية، فيفقد المصاب الحركة مع بقائه في حالة من الوعي بما يحيط به.
ويبين جندية لـ«الأخبار» أعراض المرض، الذي يبدأ بفقدان القدرة على الوقوف والمشي ويتمدد حتى يصل إلى عضلات القفص الصدري المسؤول عن التنفس، ثم عدم القدرة على البلع، ليصبح المصاب بحاجة الأجهزة الطبية للبقاء على قيد الحياة.
ويشير إلى أن المرض يصيب الكبار والصغار على حد سواء، حيث سجلت وزارة الصحة خلال الشهرين الأخيرين ما يزيد على 100 حالة، منها 60 حالة من الكبار و45 حالة من الأطفال، والتي كانت حالات نادرة جداً قبل حرب الإبادة، إذ لم تكن تتجاوز 1-2 حالة في العام الواحد.
وينوه جندية إلى أن التشخيص يكون إكلينيكياً وليس عبر أجهزة ومختبرات متخصصة بعدما دمر الاحتلال الإسرائيلي معظمها، كما إن العلاج يتم يدوياً بعدما فقد جهاز تغيير بلازما الدم للطفل المريض، إذ يتم سحب الدم من المصاب وتسليمه للمختبر الذي يقوم بدوره بفصل البلازما عن كرات الدم الحمراء والتخلص منها وإعادة الدم للطفل مع بلازما جديدة مرتين يومياً ولمدة أسبوع.
ويلفت جندية إلى أن تلك «الطريقة ساعدت الطفلة لارا، التي بقيت 69 يوماً في قسم العناية المكثفة منها 49
يوماً على التنفس الاصطناعي، في استعادة حركة اليدين قليلاً»، مشيراً إلى أن المصاب يحتاج من 6 أشهر إلى عام حتى يستطيع العودة إلى حياته الطبيعة «ويمكن أن يبقى جزء منهم بإعاقة حركية، فيما يفقد جزء آخر حياته إلى الأبد».
