
أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في كل جوانب الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ما مكّنه من شنّ حروبه الأخيرة بوتيرة وكثافة مدمّرة، رغم ما يترتّب على ذلك من عواقب أخلاقية وقانونية عميقة.
هذا التطور لم يكن ليتتحقّق في عزلة، بل هو نتاج شبكة معقّدة من الشراكات الإستراتيجية مع حكومات أجنبية، وعقود مربحة مع عمالقة التكنولوجيا العالميين، وتعاون وثيق بين قطاعها العسكري وشركات الدفاع المحلّية التي تتمتّع بحضور دُولي.
تكشف دراسة لمركز الاتحاد للأبحاث والتطوير عن أبرز هؤلاء الشركاء، وأدوارهم الحيوية، التي تتراوح من توفير البنية التحتية الأساسية للحوسبة السحابية، إلى تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدّمة، وتقديم الدعم الهندسي والاستشاري.
الولايات المتحدة
تعتبر الولايات المتحدة الشريك الحكومي الأبرز والأكثر أهمية للعدو في هذا المجال، حيث يتجاوز دعمها مجرد المساعدات العسكرية التقليدية ليشمل تعاوناً عميقاً في مجال التكنولوجيا المتقدّمة.
مادّياً، تدعم واشنطن تطوير العديد من أنظمة الدفاع التابعة للعدو، بما في ذلك القبّة الحديدية، ومقلاع داوود والسّهم، التي تعتمد بشكل متزايد على خوارزميّات الذكاء الاصطناعي.
وعلى صعيد التعاون الاستخباراتي، تتبادل وكالات الولايات المتحدة وإسرائيل المعلومات الاستخباراتية بشكل كثيف.
-
تعتبر الولايات المتحدة الشريك الحكومي الأكثر أهمية لإسرائيل في مجال الذكاء الاصطناعي (من الويب)
في هذا السياق، كشف تحقيق لوكالة «أسوشيتد برس»، عن اعتماد جيش العدو على نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية الصنع لفحص كمّيات هائلة من المعلومات الاستخباراتية واعتراض الاتصالات، وبالتالي، فإنّ البيانات التي تجمعها واشنطن تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تغذية أنظمة الاستهداف الإسرائيلية.
كذلك، أظهرت الحرب الأخيرة على إيران، بشكل واضح، التكامل السّلس بين أنظمة الدفاع الإسرائيلية والأميركية. وقد وصف رئيس منظّمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلي، موشيه باتيل، «المزامنة السّلِسَة مع الأنظمة الأميركية»، بأنها أحد النجاحات الحاسمة للحرب.
شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة: «Big Tech»
تؤدّي شركات التكنولوجيا الأميركية دوراً لا غنى عنه في توفير البنية التحتية والبرمجيات التي تشغّل آلة الحرب الإسرائيلية الذكية. هذه العلاقة، التي تعمّقت بشكل كبير بعد 7 تشرين الأول 2023، جعلت جيش العدو أحد أكبر العملاء العسكريين لهذه الشركات.
ومن أبرزها:
«مايكروسوفت»:
تتمتّع «مايكروسوفت» بعلاقة وثيقة بشكل خاص مع جيش العدو تمتدّ لعقود، الذي يعتبر ثاني أكبر عميل عسكري للشركة بعد الولايات المتحدة.
يستخدم جيش العدو منصة «Azure» السحابية لتخزين ومعالجة وتحليل كمّيات هائلة من بيانات المراقبة الجماعية «مكالمات هاتفية، رسائل نصّية، إلخ». وتوفر المنصّة الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدّمة من «Open AI» مثل «GPT 4»، التي تُستخدم لنسخ وترجمة الاتصالات باللغة العربية، والبحث السريع عن أنماط داخل نصوص ضخمة.
ورغم ادّعاء شركة الذكاء الاصطناعي بعدم وجود أي شراكة مع جيش العدو، غيّرت «Open AI» شروط استخدامها من حظر «الاستخدام العسكري»، إلى السماح بـ«حالات استخدام للأمن القومي»، وهو تغيير مهمّ تزامن مع تصاعد الصراعات.
View this post on Instagram
كما ارتفع استخدام جيش العدو لتقنيات مايكروسوفت و«Open AI» بنحو 200 مرة في آذار 2024، مقارنة بما كان عليه قبل الحرب على غزة. كما كان لافتاً تضاعف حجم البيانات المخزّنة على خوادم «مايكروسوفت» بين آذار وتموز من العام نفسه.
«جوجل» و«أمازون»:
تشترك الشركتان في «مشروع نيمبوس»، وهو عقد بقيمة 1.2 مليار دولار، وُقّع عام 2021 لتوفير خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي للحكومة والجيش الإسرائيليين.
وقد أثار المشروع احتجاجات واسعة من قبل موظفي الشركتين، تحت شعار «لا للتكنولوجيا من أجل الفصل العنصري»، ممّا أدّى إلى فصل بعضهم.
يوفّر «Google Cloud» لجيش العدو أدوات تحليل بيانات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تقنيات التعرّف على الوجه، والتعرّف على المشاعر، وتحليل البيانات الحيوية.
بدورها، توفّر «Amazon Web Services»، خدمات التخزين السحابي الهائلة التي يعتمد عليها الجيش لتخزين بيانات المراقبة الجماعية.
«بالانتير تكنولوجيز»:
تقيم «بالانتير تكنولوجيز» شراكة إستراتيجية مع وزارة دفاع العدو، حيث توفّر أنظمة ذكاء اصطناعي لدعم المجهود الحربي الإسرائيلي، عبر منصّاتها المتخصّصة في تحليل البيانات الاستخباراتية المعقّدة وربط المعلومات من مصادر مختلفة.
البنية التحتية:
بالإضافة إلى الشركات السابقة، تسهم شركات أخرى في في توفير البنية التحتية المادّية والرقمية لعسكرة الذكاء الاصطناعي لدى العدو.
في هذا الصدد، توفّر شركتَي «سيسكو» و«ديل» مجمّعات الخوادم ومراكز البيانات التي تشكّل العمود الفقري المادي للحوسبة العسكرية الإسرائيلية، في حين تزوّد شركة «ريد هات» التابعة لـ«IBM» جيش العدو بتقنيات الحوسبة السحابية.
شركات الدفاع الإسرائيلية:
تُعتبر شركات الدفاع الإسرائيلية شركاء دُوليين رئيسيين للعديد من الدول حول العالم، حيث تطوّر شركات مثل «رافائيل» و«إلبيت سيستمز» والصناعات الجوّية الإسرائيلية «IAI»، أنظمة مثل صواريخ «Spike» وطائرات «Heron» بدون طيار، ثمّ تسوّقها وتبيعها عالمياً، غالباً تحت شعار «مُجرّبة قتاليّاً»، ممّا يعزّز من مكانة إسرائيل كمصدّر رائد للتكنولوجيا العسكرية ويخلق علاقات دفاعية مع دول أخرى.
-
تُعتبر شركات الدفاع الإسرائيلية شركاء دُوليين رئيسيين للعديد من الدول حول العالم (من الويب)
في المحصّلة، فإنّ الترسانة الإسرائيلية «الذكية» هي نتاج نظام عالمي، تؤمّن فيه الولايات المتحدة الغطاء الإستراتيجي والدعم المالي، في حين توفّر شركات التكنولوجيا والأجهزة الأميركية العملاقة العقول الرقمية والبنية التحتية السحابية، والعضلات المادية للخوادم.
بدورها، تقوم شركات الدفاع في الكيان المؤقّت بتجميع كل هذه المكوّنات في أنظمة أسلحة متكاملة وفتّاكة، يتمّ اختبارها في «ساحات القتال»، ثم تصديرها إلى العالم.
مراحل استخدام الذكاء الاصطناعي في الاستخبارات الإسرائيلية:
لقد حوّل جيش العدو دورته الاستخباراتية من عملية تعتمد بشكل كبير على العنصر البشري إلى «مصنع بيانات» عالي السرعة، يعمل الذكاء الاصطناعي كعمود فقري له.
المرحلة الأولى: جمع المعلومات الاستخباراتية
لم يعُد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة لجمع المزيد من البيانات، بل أصبح يجمع أنواعاً جديدةً من البيانات ويحوّل كل شيء، تقريباً، إلى مصدر استخباراتي محتمل، عبر:
1- المراقبة الجوّية والفضائية «Imint and Geoint»:
تجمع طائرات المراقبة المتقدّمة مثل «أورون»، والطائرات بدون طيار مثل «Hermes 900»، والأقمار الصناعية، كمّيات هائلة من الصور والفيديوهات عالية الدقّة، لتقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي المدمجة بتحليلها بشكل فوري.تعمل هذه الخوارزميات على التعرّف على الأشياء، أي تحديد المركبات، منصّات إطلاق الصواريخ، الأسلحة، وحتى الأفراد بشكل تلقائي، وتقوم تباعاً برصد التغييرات عبر مقارنة الصور الجديدة بالقديمة لتحديد أي تغييرات طفيفة في البنية التحتية، مثل بناء مدخل نفق جديد أو تحريك كومة تراب بطريقة مشبوهة.
كذلك، ترصد هذه الأنظمة أنماط الحركة غير العادية للمركبات أو المجموعات البشرية التي قد تشير إلى نشاط عسكري. وعلى سبيل المثال، في حرب إيران فقط، تمّ تحليل 12,000 صورة أقمار صناعية بهذه الطريقة لتحديد الأهداف.
2- استخبارت الإشارة والاتصالات «Sigint and Comint»:
تعترض وحدات متخصّصة في جيش العدو، مثل الوحدة «8200»، باعتراض كمّيات ضخمة من الاتصالات (مكالمات هاتفية، رسائل نصّية، رسائل صوتية، اتصالات لاسلكية، منشورات وسائل التواصل الاجتماعي)، ليقوم الذكاء الاصطناعي بنسخها وترجمتها آلياً باستخدام نماذج لغويّة كبيرة «LLMs» مثل تلك التي توفّرها «Open AI» لنسخ المحادثات الشفهية وترجمتها من اللهجات العربية المختلفة إلى العبرية بشكل فوري.
كما تستخلص برامج الذكاء الاصطناعي الكلمات المفتاحية، عبر البحث عن كلمات أو عبارات محدّدة (مثل أسماء أسلحة، مواقع، قادة) داخل بحر من الاتصالات.
وفي مراحل متقدّمة، تعمل البرامج على قياس الرأي العام والمشاعر تجاه أحداث معيّنة، كما حدث بعد اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، لتحليل احتمالية الردّ.
3- الاستخبارات البيومترية
تستخدم كاميرات المراقبة وتطبيقات هواتف جنود العنود لجمع صور وجوه الفلسطينيين، مثلاً، بشكل جماعي، ليقوم الذكاء الاصطناعي ببناء قاعدة بيانات، لربط الوجوه بالهوّيات والمعلومات الشخصية الأخرى.
المرحلة الثانية: دمج وتوحيد المعلومات
مرحلة الدّمج هي العملية الحاسمة التي يقوم فيها الذكاء الاصطناعي بربط النقاط وتحويل البيانات المنفصلة إلى صورة استخباراتية متكاملة، عبر:
1- بناء ملفات تعريف رقمية:
باستخدام أنظمة داخلية وأنظمة التحليل التي يستحوذ عليها جيش العدو، يعمل الذكاء الاصطناعي على دمج أنواع مختلفة من البيانات حول فرد أو موقع معين، في ملف رقمي واحد. على سبيل المثال، يمكنه ربط:
رقم هاتف تمّ اعتراضه، بصورة وجه التقطت عند نقطة تفتيش، بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، بموقع جغرافي تمّ رصده عبر طائرة بدون طيار.
بهذه الطريقة، يتمّ إنشاء «بصمة رقمية» شاملة لكل هدف محتمل.
2- تحليل الشبكات الاجتماعية:
تقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي بتحليل بيانات الاتّصالات لتحديد الروابط بين الأفراد. فهي لا تعرف فقط «من يتحدّث إلى من»، بل تحدّد أيضاً قوّة العلاقة، وتكرار الاتصال، والهيكل الهرمي داخل الجماعات المسلحة، وتحديد القادة والشخصيات المحورية.
3- الربط الجغرافي والمكاني:
تقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي بتحليل بيانات الاتّصالات لتحديد الروابط بين الأفراد. فهي لا تعرف فقط «من يتحدّث إلى من»، بل تحدّد أيضاً قوّة العلاقة، وتكرار الاتصال، والهيكل الهرمي داخل الجماعات المسلحة، وتحديد القادة والشخصيات المحورية.
يدمج يُعرف بـ«أين أبي» بيانات تَتَبُّع الموقع (غالباً من الهواتف المحمولة) مع قواعد البيانات الجغرافية التي تحتوي على عناوين المنازل، ما يسمح بتحديد لحظة دخول الهدف إلى منزله بدقّة (نظرياً).
المرحلة الثالثة: التحليل واستخلاص الرؤى
في هذه المرحلة، تتحوّل المعلومات المدمجة إلى استخبارات قابلة للتنفيذ «Actionable Intelligence» حيث تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي باتّخاذ «قرارات» أو تقديم توصيات قوية، عبر:
-
في هذه المرحلة تتحوّل المعلومات المدمجة إلى استخبارات قابلة للتنفيذ (أ ف ب)
1- توليد الأهداف على نطاق صناعي:
تعمل أنظمة مثل «حبسورا» و«لافندر» كمحرّكات تحليل رئيسية.يحلّل «لافندر» الملفات الشخصية المدمجة ويعطي لكل فرد درجة من 1 إلى 100 بناءً على مدى تطابقه مع «ملف المسلح». هذه الدرجة هي نتاج تحليل إحصائي، وليست حكماً بشرياً، وكل من يتجاوز العتبة المحدّدة يصبح هدفاً موصى به.أمّا «حبسورا»، فيحلّل خصائص المباني والبنى التحتية، ويقارنها بأنماط المواقع العسكرية المعروفة، ويوصي بقصفها.لقد حوّل هذا النظام عملية تحديد الأهداف من 50 هدفاً في السّنة إلى 100 هدف في اليوم.
2- التحليل التنبؤي:
يتجاوز الذكاء الاصطناعي مجرّد تحديد الأهداف الحالية إلى محاولة التنبّؤ بالأحداث المستقبلية. وكما ذُكر، تمّ استخدامه لتحليل المشاعر العامة للتّنبّؤ باحتمالية الردّ على عملية اغتيال.عسكرياً، يمكن استخدامه للتنبّؤ بمسارات تحرّك الوحدات المعادية أو الأماكن الأكثر احتمالاً لشنّ هجمات منها.
3- تحليل القدرات وتخطيط الهجوم:
بعد أن يحدّد «حبسورا» الهدف، يقوم نظام «مصنع النار» بتحليل الهدف ويوصي بأفضل طريقة لتدميره. يشمل ذلك حساب نوع وكمّية الذخيرة المطلوبة، وتحديد أفضل زاوية للهجوم لتقليل الأضرار الجانبية، وتخصيص الطائرة المناسبة للمهمّة، واقتراح جدول زمني، ما يقلّل وقت التّخطيط من ساعات إلى دقائق.
إقرأ أيضاً: كيف أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل العقيدة العسكرية الصهيونية؟
بناءً على المسار المتسارع للتطور التكنولوجي والتطبيقات الميدانية التي شهدتها الحروب بين 2023-2025، يمكن التأكيد أنّ مستقبل استخدام العدو الإسرائيلي للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري والأمني سيتّجه نحو مزيد من الأتمتة، والتكامل متعدّد المجالات، وتوسيع نطاق الحرب لتشمل أبعاداً جديدة.
فالمستقبل لن يكون مجرّد «نسخة محسّنة من الحاضر»، بل سيشهد تحولات نوعية في طبيعة الصراع نفسه.

