
غزة | خلال 700 يوم من الحرب، لم تكتفِ إسرائيل باستخدام ترسانتها العسكرية من الطائرات والدبابات والعربات المفخّخة، للفتك بالمدنيين في غزة، بل عمدت إلى إضافة المياه والطعام إلى قائمة أسلحتها.
المرة الأولى التي جرّب فيها الفلسطينيون الجوع عن قرب، كانت في مطلع عام 2024، عندما منع جيش الاحتلال إدخال أي نوع من الطعام والمساعدات إلى مناطق شمال وادي غزة، بهدف إجبار نحو 500 ألف على النزوح الجبري إلى جنوب القطاع.
آنذاك، وبعد أربعة أشهر من الجوع، نفد خلالها كل ما كان متوفّراً من طحين وبقوليات، وصل الحال بالأهالي إلى طحن أعلاف الحيوانات وأكل أوراق الشجر، قبل أن ترضخ إسرائيل لضغط عالمي قوي أفضى، بعد استشهاد 30 مواطناً جوعاً، إلى دخول المساعدات إلى شمال القطاع.
وبالمثل، منذ أن استأنف جيش العدو القتال عقب انتهاء هدنة التاسع عشر من كانون الثاني، استغلّت إسرائيل الدعم الأميركي المفتوح لإغلاق المعابر في وجه المساعدات والبضائع التجارية بشكل كلي، جنباً إلى جنب منع المؤسسات الدولية من العمل، في محاولة لاستبدالها بـ«مؤسسة غزة الإنسانية» الأميركية. وسرعان ما حوّلت «المؤسسة» نقاط التوزيع الأربع في جنوب القطاع إلى مصائد يومية للموت، قضى على أسوارها نحو 100 مواطن قنصاً.
وعلى المنوال نفسه، وعقب تطبيق جيش الاحتلال تعهّدات وزير المالية المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، بأن لا «تدخل حبة قمح واحدة إلى القطاع»، استشهد، منذ مطلع نيسان وحتى أيلول، نحو 200 مواطن جوعاً، وأكثر من 1000 آخرين على أبواب مصائد الموت الأميركية. وبالتوازي مع ذلك، ازدحمت وسائل الإعلام الدولية بصور مواطنين أشبه بالهياكل العظمية، وأطفال يبحثون عن بقايا الطعام من حاويات القمامة، وهو ما عرّض صورة إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، لهزّة جديدة.
الآن، وعلى وقع التحضير لتدمير مدينة غزة واحتلالها، حاولت إسرئيل «غسل» صورتها المشوّهة، بعدما أدار جيش الاحتلال حملة إنزال جوي للمساعدات وسمح للدول العربية والأجنبية بتنفيذ حملات لإنزال المساعدات جواً، علماً أن الكمية التي تلقيها 10 طائرات تساوي حمولة شاحنة واحدة يصطف الآلاف منها على معابر القطاع، وتمنع إسرائيل دخولها.
تحاول إسرائيل عبر عمليات الإنزال الجوي «تنظيف» صورتها
ولم تقتصر حملة تنظيف صورة إسرائيل على ذلك؛ إذ سمح جيش الاحتلال بإدخال عدد محدود جداً من شاحنات البضائع التجارية براً، عكست صورة غير واقعية عن حال القطاع. ففي حين بدت الأسواق وكأنها تزدحم بالبضائع التجارية مثل الفواكه والمعلّبات والخُضر، فإن ما هو معروض، يباع، بسبب الندرة والاحتكار، بأسعار فلكية تتجاوز قدرة الأهالي المسحوقين تحت خط الفقر منذ عامين.
على سبيل المثال، وصل سعر كيلو المانغا التي انتشرت صورتها على صفحة «المنسّق الإسرائيلي» والمتحدّث باسم جيش الاحتلال إلى 70 دولاراً، فيما وصلت أسعار معلبات اللحوم المصنّعة إلى 18 دولاراً، وأسعار أرخص نوع من الخُضر إلى 15 دولاراً.
على أن ما تَقدّم، لم يمنع الصور الواردة يومياً من تخفيف الضغط الإعلامي عن إسرائيل، وصناعة صورة خادعة عن الواقع الحقيقي، فيما لا تزال وزارة الصحة تعلن بشكل يومي عن استشهاد مواطنين جوعاً.
وفي خلفية تلك الوقائع، يمكن القول إن ما فعلته إسرائيل أخيراً، هو إعادة هندسة الجوع عبر جملة من الخطوات:
- استمرار منع المؤسسات الدولية، ومنها «وكالة الغوث» و«برنامج الأغذية العالمي» من توزيع المساعدات على نحو يحفظ كرامة السكان ويضمن وصول المساعدات بالتساوي إلى جميع فئات المجتمع.
- تفويض «مؤسسة غزة الإنسانية» كجهة وحيدة يسمح لها بتوزيع المساعدات في مناطق جنوب القطاع حصراً، وبشكل عشوائي يحوّل عملية التوزيع إلى حلبة مصارعة يحكمها قانون الغاب، فيما تمنع المساعدات عن مناطق شمال القطاع بهدف المساهمة في دفع السكان جنوباً.
- السماح لعدد محدود من التجار بإدخال كميات محدودة من البضائع التجارية العديمة القيمة الغذائية، من مثل المعلبات واللحوم المصنّعة والأندومي والمياه الغازية، التي تباع بعشرين ضعفاً عن سعرها الحقيقي على الأقل.
-منع إدخال كلّ البضائع ذات القيمة الغذائية بكميات وفيرة، من مثل الأسماك واللحوم والفواكه والخُضر وبعض أنواع الخُضر والتمور على اعتبار أنها مُنتجات فاخرة.
وأمام تلك الوقائع، تعيش أكثر من 90% من عائلات القطاع في ظروف معيشية قاسية، وتعتمد في غذائها على التكايا الخيرية التي تقدّم أطعمة عديمة القيمة، مثل العدس والأرز من دون أي نوع من الدسم، فيما لا يتمكّن السواد الأعظم من شراء أيٍّ من المُنتجات المعروضة في الأسواق. بالتوازي، يهدّد الوزراء المتطرفون باستخدام التجويع مجدّداً سلاحاً لإخلاء شمال وادي غزة من السكان، تمهيداً للعملية البرية الواسعة المُرتقبة. ومن بين هؤلاء، وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، الذي يطالب بقطع المياه والمساعدات والبضائع تماماً عن شمال القطاع.

