نزوح جماعي في غزة: النيران تطارد الفلسطينيين
تعرّض نحو مليوني غزي للنزوح أكثر من عشر مرات منذ السابع من تشرين الأول 2023.


غزة | ألقت العائلات الفلسطينية بأثاث منازلها الخشبي وباعته بنقود قليلة، وحملت ما تبقى من أمتعة فوق عربات خشبية وفي حقائب على الظهر، وسارت تحت أشعة الشمس الحارقة نحو غرب مدينة غزة بحثاً عن مأوى جديد، في حالة من الإحباط واليأس من العثور على منازلها عند العودة.
وقال إبراهيم أصرف لـ«الأخبار» إنّ المربع الذي يسكن فيه تعرض للتهديد ولم يعد البقاء في المنزل ممكناً، ما اضطره إلى حزم أدوات بسيطة لازمة للحياة اليومية وبيع باقي الأثاث بشواكل معدودة لتسديد أجرة النقل.
ووصف مشاعره لحظة الخروج من منزله بـ«القهر»، وأضاف: «تعب العمر تركته خلفي كي تدمره آلة القتل في ثوانٍ، ليتهم نسفوه وأنا بداخله، أهون من تركه والخروج منه».
وناشد العالم وقف الحرب ومنع استهداف الناس وبيوتهم، خاتماً بالقول: «بكفي تعبنا».
أمّا سناء الددا فخرجت تحت وابل الرصاص وقذائف الدبابات، وقالت لـ«الأخبار»: «خرجنا بأجسادنا وحقائبنا التي جهزناها مسبقاً بأهم المقتنيات، وتركنا خلفنا أرواحنا التي باتت أقرب إلى الموت منها إلى الحياة».
وأضافت أنّها عاشت سابقاً في «خيام الذل» التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة، وأنّها عادت إليها في ظل الغلاء وانعدام الأساسيات.
-
اختارت عائلات أخرى البقاء تحت النار بدلاً من النزوح (أ ف ب)
وقال أبو ثائر بحر، وهو في الخمسين من عمره: «نكافح من أجل البقاء على أرضنا، ولن نتركها أبداً ما حيينا».
وأكد أنّ هذا النزوح هو الرابع والعشرون له منذ بداية الحرب، وأضاف: «يقولون السفر قطعة من جهنم، وأنا أقول النزوح قطعة من العذاب الأبدي، تحمل بيتك في حقيبة وتتنقل من مكان لآخر لتنجو بعائلتك».
في المقابل، اختارت عائلات أخرى البقاء تحت النار بدلاً من النزوح. وقال أبو محمد (45 عاماً) من منطقة الشيخ رضوان: «منذ عامين لا أعمل بعدما فقدت مصدر دخلي، لذلك بقيت في مكاني لعدم قدرتي على تحمل تكاليف الانتقال التي تتجاوز الألف دولار، حياتنا أصبحت أرخص من النزوح».
وأوضح لـ«الأخبار» أنّ «كل قطاع غزة خطير ولا مكان آمناً، خاصةً أنّ الاحتلال يسيطر على نحو 87% من القطاع ويريد حشرنا في مساحة أقل من 20%»، متسائلاً: «لماذا الخروج والتعب وتكبد تكاليف لا طاقة لي بها؟».
مراحل النزوح
تعرّض نحو مليوني غزي للنزوح أكثر من عشر مرات منذ السابع من تشرين الأول 2023. بدأت الموجة الأولى في تشرين الأول وتشرين الثاني 2023 مع دعوات الاحتلال لسكان مدينة غزة وشمال القطاع إلى النزوح جنوباً. ثم جاءت المرحلة الثانية في كانون الأول 2023، مع نزوح سكان خانيونس إلى رفح. أما المرحلة الثالثة فتمثلت بالتمركز المؤقت في رفح بين آذار وأيار 2024.
وفي حزيران – أيلول 2024 بدأت المرحلة الرابعة نحو «المناطق الإنسانية» غرب خان يونس وأجزاء من دير البلح. أعقب ذلك نزوح مستمر متعدد الاتجاهات من تشرين الأول 2024 إلى آذار 2025، لتبدأ المرحلة السادسة من النزوح المزمن والمعاناة الممتدة حتى اليوم.
جريمة التهجير القسري
في السياق، أكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أنً الاحتلال أجبر أكثر من 300 ألف نسمة على النزوح من شمال غزة، وأكثر من 200 ألف من شرق مدينة غزة نحو غربها ووسطها.
وقال لـ«الأخبار» إنّ هذه الأرقام تعكس جريمة تهجير قسري محظورة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة (المادة 49)، مقترنةً بسياسات تجويع ممنهجة عبر منع إدخال أكثر من 430 صنفاً غذائياً والسماح بـ14% فقط من الاحتياجات، ما يخلق فجوة 86% في الإمدادات ويحوّل النزوح إلى وسيلة قسر وإكراه جماعي.
-
الثوابتة: الاحتلال أجبر أكثر من 300 ألف نسمة على النزوح من شمال غزة (أ ف ب)
وأوضح أنّ مليوناً إلى مليون ومئتي ألف نسمة في مدينة غزة يعيشون أوضاعاً معيشية حرجة، مجاعة متفاقمة، غياب دخل لأكثر من 95% من السكان، وقدرة شراء معدومة، مع تمييز جغرافي في إدخال الإمدادات.
وأضاف: «هذه السياسات تشكّل عقاباً جماعياً مخالفاً للمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، واستخدام التجويع كأداة حرب يُعد جريمة حرب بموجب نظام روما».
تكاليف النزوح الباهظة
بدوره، رأى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أنّ المواطن الفلسطيني لم يعد قادراً على تحمل أعباء النزوح ليعلن البقاء في وجه الموت.
وقال لـ«الأخبار» إنّ الحرب المستمرة منذ عامين أنهكت جيوب الغزيين ورفعت الأسعار بشكلٍ غير مسبوق، مشيراً إلى أنّ النزوح يحتاج إلى ما لا يقل عن 2000 دولار: 1200 دولار للخيمة، 300 للنقل، وأكثر من 500 للإيجار.
وأكد أنّ معظم الأسر لا تملك هذا المبلغ، لاسيما مع وصول البطالة إلى 83% والفقر إلى أكثر من 90%، مشيراً إلى أنّ 95% من السكان باتوا يعتمدون على المساعدات لتأمين قوتهم اليومي.
