
مع مرور نحو يومين على تنفيذ العدو، محاولة اغتيال قادة حركة «حماس» في أثناء اجتماع ضمّهم في مبنى في العاصمة القطرية الدوحة، وبينما التزم المستويان السياسي والعسكري في إسرائيل الصمت حيال نتائج الهجوم، أظهرت التسريبات الإعلامية العبرية ما يشبه التراجع المنظَّم عن «الانطباع الأوّلي» بالنجاح، مقابل تكشُّف تدريجي لحقيقة مفادها أنّ العملية فشلت في تصفية أيّ من قادة الحركة الأساسيين المستهدفين.
لكنّ رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، عاد ليهدّد من جديد، متوجّهاً إلى قطر و«كل الدول التي توفّر ملاذاً للإرهابيين»، بالقول: «إمّا أن تطردوهم أو تقدّموهم للمحاكمة. لأنه إذا لم تفعلوا ذلك – نحن سنفعل». وأضاف نتنياهو: «فعلنا بالضبط ما فعلته أميركا حين لاحقت إرهابيّي القاعدة في أفغانستان، وبعد ذلك حين ذهبت وقتلت أسامة بن لادن في باكستان»، زاعماً أنّ «على دول العالم أن تخجل من إدانة إسرائيل»، بل عليها أن «تصفّق لإسرائيل».
وكانت أفادت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، نقلاً عن مصادر في أجهزة الاستخبارات و«الشاباك» وسلاح الجوّ، بأنّ التقديرات التي سبقت الضربة، ورافقتها في ساعاتها الأولى، رجّحت إصابة عدد كبير من القياديّين، استناداً إلى ما وُصف بـ«معلومات مؤكّدة» عن بدء الاجتماع داخل المبنى المستهدَف قبل دقائق من تنفيذ الهجوم. إلّا أنّ هذا الاعتقاد «انهار سريعاً»، بعد صدور بيان رسمي عن «حماس» أكّد نجاة القيادات كافّة.
وفي الإطار نفسه، ذكرت «القناة 12» العبرية أنّ «المؤشّرات تتصاعد داخل المؤسّسة الأمنيّة بشأن فشل محاولة الاغتيال»، وأنّ نتنياهو «لن يعترف بذلك رسمياً»، في حين نقلت قناة «كان» عن مسؤول أمني إسرائيلي تأكيده أنّ «الهجوم لم يُحقّق النتيجة المرجوّة»، وقالت «إذاعة الجيش»، بدورها، نقلاً عن مصدرَين أمنيّين، إنّ الأخيرين «غير متفائلين» بإصابة أيّ من قيادات «حماس».
وفي موازاة ذلك، برز تحليل لافت للواء احتياط تامير هيمان، الرئيس السابق لـ«شعبة الاستخبارات العسكرية» الإسرائيلية، ورئيس «معهد دراسات الأمن القومي» حالياً، اللواء احتياط تامير هيمان، اعتبر فيه أنّ العملية في الدوحة «تشكّل لحظة مفصلية»، ليس فقط في سياق الحرب، بل في مسار العلاقة المعقّدة مع واشنطن والوسطاء الإقليميين. وكتب هيمان في ورقة تحليلية نشرها المعهد أنّ «الضربة تحمل وزناً رمزياً وإستراتيجياً يتجاوز إصابة الهدف المباشر، وتطاول أبعاداً نفسية وسياسية إقليمية».
إلّا أنه حذّر من أنّ الفشل المحتمل في تصفية القادة المستهدفين، إن تأكّد، «قد يحوّل الضربة إلى عبء سياسي ودبلوماسي، بدلاً من أن تكون نقطة انعطاف». وأكّد هيمان أنّ المسار الذي تسلكه الحكومة الإسرائيلية حالياً «محفوف بالمخاطر»، وأنّ التداخل بين التصعيد العسكري في غزة ومحاولة اغتيال قيادة «حماس» في الخارج، من جهة، وضغط الولايات المتحدة لإبرام صفقة تبادل أسرى، من جهة أخرى، «قد يمنح إسرائيل نافذة محدودة لعرض صورة انتصار رمزية».
لكنه أشار إلى أنّ الإخفاق في ترجمة العملية إلى مكسب سياسي أو تفاوضي ملموس «سيدفع نحو مأزق جديد»، خصوصاً في ظلّ غياب قناة وساطة فاعلة، وتصاعد الضغوط الداخلية بشأن مصير الأسرى. كما دعا هيمان إلى «تعليق العمليات العسكرية مؤقّتاً» في غزة، للسماح بتظهير مفاعيل الضربة سياسياً، وربما فتح ثغرة جديدة في جدار المفاوضات، مشيراً إلى أنّ «العملية تحمل طاقة تفاوضية كامنة، شرط ألّا تُستخدم كذريعة للتورّط في مواجهة ميدانية مفتوحة في غزة».
على المقلب الأميركي، نشرت شبكة «CNN» تحليلاً موسّعاً للكاتب ستيفن كولنسون، وصف فيه الغارة الإسرائيلية على الدوحة بأنها «ضربة موجعة لإدارة ترامب»، و«استهانة بسيادة حليف رئيس للولايات المتحدة». وادّعى الكاتب أنّ تنفيذ الضربة «من دون تنسيق فعلي مع واشنطن»، ومن دون إبلاغ الدوحة، كشف «مدى ضآلة التأثير الأميركي على سلوك نتنياهو»، الذي وصفه بأنه «يستخدم الحرب أداة لإطالة أمد حكمه، وتأجيل التحقيقات الأمنية والسياسية المتعلّقة بهجمات السابع من تشرين الأول».
وأشار كولنسون إلى أنّ «البيت الأبيض» حاول «احتواء الموقف» عبر تصريحات متردّدة، إذ قال ترامب إنه «غير سعيد» بطريقة تنفيذ الهجوم، فيما اعتبرت المتحدّثة باسمه، كارولين ليفيت، أنّ «الضربة لا تخدم أهداف الولايات المتحدة أو إسرائيل»؛ كما أوعز الرئيس إلى وزير الخارجية، ماركو روبيو، بـ«الإسراع في إبرام اتّفاق دفاعي جديد مع قطر»، في محاولة لامتصاص الغضب القطري. لكنّ كولنسون لم يُخفِ تشكيكه في دوافع ترامب، ملمّحاً إلى أنّ الهديّة القطرية له، المتمثّلة في طائرة «بوينغ 747»، قد «تُضعف استقلالية قراراته»، وتثير الشكوك في جدّيته في الدفاع عن المصالح الأميركية لا الشخصية.
وفيما أشار التقرير إلى أنّ الهجوم يقوّض مساعي ترامب لاستعادة دور الوسيط في المفاوضات بين إسرائيل و«حماس»، أكّد أنّ الضربة أضعفت أيضاً الثّقة بـ«مظلّة الحماية الأميركية في الخليج»، التي «لم تمنع انتهاكاً مُهيناً للغاية للسيادة القطرية». وخلص كولنسون إلى القول إنّ ما جرى في الدوحة «يعزّز الانطباع السائد في الشرق الأوسط بأنّ إسرائيل أصبحت تتصرّف باستقلالية تامّة، وأنّ واشنطن لم تعُد تملك أدوات الضبط أو النفوذ الفعّال، حتى على أقرب حلفائها».
ويعزّز هذا الموقف، ما نقلته «القناة 12» العبرية عن مصادرها، أمس، من أنّ رئيس وزراء قطر، محمد بن عبد الرحمن، قال لمبعوث ترامب الخاص، ستيف ويتكوف، إنه «يبدو أننا نحتاج إلى شركاء أمنيّين جدد، إذ تعرّضنا للهجوم مرّتين ولم تدافعوا عنّا»، في إشارة إلى الهجوم الإيراني على قاعدة العديد الأميركية قبل 3 شهور، والهجوم الإسرائيلي قبل يومين.

