
القاهرة | بالتزامن مع الإعلان الرسمي من جانب الحكومة الإثيوبية عن افتتاح «سد النهضة» وتشغيله بعد 14 عاماً من بدء أعمال البناء فيه، صعّدت مصر من تحرّكاتها الدبلوماسية عبر رسالة وجّهتها وزارة الخارجية إلى مجلس الأمن الدولي، أكّدت فيها رفضها القاطع للخطوات الأحادية التي اتّخذتها أديس أبابا، في إدارة مياه النيل الأزرق.
ويأتي هذا التحرّك المصري في وقت لم يعُد فيه القلق مرتبطاً بالسدّ القائم وحده، بل بات منبعه أيضاً احتمال بناء سدود إضافية، مع وجود خطّة لبناء عدّة سدود على مسار النهر الذي يصل إلى مصر والسودان، وفي ظلّ وجود ضرورة هندسية لإنشاء سدّ آخر في الداخل الإثيوبي لإطالة عمر «النهضة» وتحسين الاستفادة منه. وتستبق القاهرة الإعلان الإثيوبي عن تفاصيل بناء السدّ الجديد، بخطوات تصعيدية لوقف أي مشاريع إنشائية على النيل داخل الحدود الإثيوبية، مع التأكيد أنّ الظروف التي جرت فيها عملية إنشاء «النهضة» لن تتكرّر مع السدود الجديدة المزمع تشييدها في أثناء المدّة المقبلة.
ومنذ بداية النقاش حول السدّ عام 2011، تعاملت مصر مع الملف في إطار المفاوضات المطوّلة، التي لم تفضِ إلى اتفاق ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل، رغم الوساطات الدولية والإقليمية المتعدّدة. ومع كل خطوة أحادية من جانب أديس أبابا، ازداد الموقف المصري تشدّداً - من دون أن ينجح في إحداث فارق على الأرض - من حيث التأكيد أنّ نهر النيل يمثّل شريان الحياة الوحيد لمئة مليون مواطن يعيشون على ضفافه، في ظلّ ظروف جغرافية ومناخية لا تسمح ببدائل مائية أخرى.
وبينما لم تستجب القاهرة للدعوة الإثيوبية لحضور حفل افتتاح السدّ، أرسلت «الخارجية» المصرية رسالة إلى مجلس الأمن لا تكتفي بالاعتراض على الافتتاح الرسمي للسدّ، بل تنبّه إلى أنّ النهج الأحادي ذاته قد يقود إلى تكرار السيناريو مع سدود جديدة، الأمر الذي يضاعف المخاطر الإستراتيجية.
القاهرة تبلغ مجلس الأمن رفضها القاطع للخطوات الأحادية التي اتّخذتها أديس أبابا، في إدارة مياه النيل الأزرق
وأكّدت الرسالة أنّ القاهرة لا تعترف بأي شرعية دولية للخطوات الأحادية الإثيوبية، وأنها تحتفظ بحقّها الكامل في اتّخاذ ما تراه مناسباً لحماية مصالحها المائية وفقاً للقانون الدولي، موضحة أنّ صبر مصر في أثناء السنوات الماضية لم يكن ضعفاً، وإنما التزاماً بخيار الدبلوماسية، وهو خيار تراه الأكثر عقلانية في إدارة نزاع شديد التعقيد. لكنّ هذا الخيار، من وجهة النظر المصرية، لا يمكن أن يستمرّ في ظلّ استمرار النهج الإثيوبي القائم على تجاهل مخاوف دول المصب.
إثيوبيا، من جانبها، واصلت التركيز على البعد التنموي، مؤكّدة أنّ السدّ سيمكّنها من تلبية احتياجات ملايين المواطنين الذين يفتقرون إلى الكهرباء، فضلاً عن إمكانية تصدير الطاقة إلى دول الجوار. واعتبر رئيس الوزراء، أبي أحمد، أنّ السدّ رمز لإنجاز قومي شارك المواطنون في تمويله، وتجاوزوا عبره سنوات طويلة من الأزمات الداخلية والصراعات، عادّاً إياه علامة على قدرة الدولة على فرض رؤيتها وإعادة تعريف موقعها الإقليمي.
غير أنّ البعد السياسي للمشروع لا ينفصل عن تأثيراته المائية؛ فالمخاوف المصرية تتركّز على حجم المياه التي يحتجزها السدّ، والتي تصل إلى 64 مليار متر مكعّب، وهو ما يعادل تقريباً حجم حصّتها السنوية من مياه النيل. ومع اكتمال الملء وتشغيل التوربينات، تتصاعد الأسئلة حول كيفية إدارة التدفّقات المائية في سنوات الجفاف، وحول ما إذا كانت إثيوبيا ستتعاون مع دولتَي المصب أم ستواصل فرض الأمر الواقع.
وفي ظلّ غياب اتفاق قانوني ملزم، تبدو الاحتمالات مفتوحة أمام سيناريوهات قد تؤدّي إلى أزمات ممتدّة، ليس فقط على مستوى الموارد المائية، بل أيضاً على صعيد العلاقات السياسية بين دول المنطقة، في ضوء سعي القاهرة لمحاصرة أديس أبابا، عبر التحالف مع جيرانها. إلا أنه حتى الموقف السوداني المتأرجح بين القاهرة وأديس أبابا لأسباب سياسية، والذي يعدّ اليوم أحد الأسلحة المصرية في مواجهة إثيوبيا، يبدو أقل تأثيراً في ظلّ الحرب الأهلية في السودان.
وفيما تبقى خيارات القاهرة حتى الآن غير واضحة بشأن التعامل مع مرحلة ما بعد تشغيل السدّ، تبدو إثيوبيا، في المقابل، مصمّمة على المضي قدماً في رؤيتها، متسلّحة بإنجاز هندسي ضخم يحظى بدعم شعبي واسع، وهو ما يخلق معادلة جديدة على ضفاف النيل، من شأنها إذا ما تكرّست إعادة رسم خريطة التوازنات في المنطقة.

