مرضى «حساسية القمح» يواجهون الموت البطيء في غزة
في إطار هندسة التجويع التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، استشهد 404 مواطنين من بينهم 141 طفلاً بسبب المجاعة وسوء التغذية.


غزة | ألقت حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ ما يقرب من العامين بظلالها على مرضى «حساسية القمح» أوما يعرف بـ«السيلياك»، لتتفاقم معاناتهم في ظل المجاعة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على سكان القطاع.
آلام قاتلة
توضح جيهان اللوح والدة الطفل مصطفى، ذي الـ14عاماً والذي أصيب بحساسية القمح منذ 5 سنوات، أنّ طفلها لم يعد ملتزماً بالحمية الغذائية الخاصة به نظراً لشح الأطعمة المخصّصة لحالته وارتفاع أسعارها.
وتُعتبر «حساسية القمح» من أمراض الجهاز الهضمي وهو مرض مناعي يستدعي عدم تناول الغلوتين وهو البروتين الموجود في القمح والشعير، لأنه يؤدي إلى تلف الأمعاء الدقيقة.
وبقلب منفطر على طفلها، تقول والدة مصطفى لـ«الأخبار»: «أقضي معظم الوقت في المشفى بصحبة ابني الذي يعاني، طوال الوقت، من شحوب في الوجه، وانتفاخ بالبطن، وإسهال مزمن، نظراً لتناوله الأطعمة غير المناسبة لحالته الصحية»، مشيرة إلى أنّ ابنها يضطر لتناول الدقيق ليسدّ جوعه على الرغم من الآلام القاتلة الناتجة من ذلك «وأضطر لترك الطعام لأني لا أحتمل رؤيته في تلك الحالة».
-
تُعتبر «حساسية القمح» من أمراض الجهاز الهضمي (أ ف ب)
وتضيف وهي تذرف الدموع: «طفلي محروم من معظم الأطعمة المتوافرة في الأسواق، ولا يوجد بدائل للأطعمة الخاصة به كاللحوم والفواكه، أما الخضار فأسعارها مرتفعة ولا نقوى على شرائها ما أثر على نموّه مقارنة بأقرانه». وتؤكد أنّ الحالة النفسية لابنها سيئة جداً، مناشدة المؤسسات الدولية والإنسانية العمل على مساعدتها في توفير الدقيق العلاجي الخاص به.
المرض الصامت
ولا تختلف الحال كثيراً عن حال الثلاثينية أم أنس الإسي، التي اكتشفت إصابتها بمرض «حساسية القمح» قبل خمسة أعوام بعد سنوات طويلة من المعاناة مع الأعراض غير المفهومة لديها، كالانتفاخ، وفقر الدم، والتعب والإرهاق المزمن ليتمّ تشخيص حالتها بعد الفحوصات الطبية بمرض «السيلياك».
وتؤكد أم أنس أنها تجد صعوبة كبيرة في تأمين غذائها الخالي من الغلوتين، وتقول: «اضطررت في كثير من الأحيان لتناول الأطعمة التي تحتوي على الغلوتين لعدم توافر أي من البدائل في قطاع غزة ما سبّب لي آلاماً حادة ومضاعفات صحية وخيمة».
وتوضح: «أحاول التكيف مع المرض بالاعتماد على وصفات منزلية جديدة، منها نشا الذرة والبطاطا المالحة كبديل للخبز، «فهذا المرض الصامت لا يُرى بالعين المجردة، إنما تظهر أعراضه على جسد ونفسية المريض».
وتشير إلى أنّها اضطرت إلى بيع قطعة من الذهب الخالص «كي أشتري بدائل الطعام الخالي من الغلوتين والذي وصل سعره لأضعاف مضاعفة، فأنا على استعداد لخسارة كل ما أملك مقابل التخلص من الألم الذي يصيبني نتيجة هذا المرض».
1288 حالة مرضية
وكان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قد أطلق نداءً عاجلاً لحماية حياة مرضى «حساسية القمح» في قطاع غزة ويبلغ عددهم 1288 حالة، و«الذين باتوا مهددين بالموت البطيء بسبب حرمانهم من الحصول على الغذاء العلاجي الخاص بهم، وفي مقدّمته الدقيق الخالي من الغلوتين وأصناف الغذاء العلاجي».
وأوضح المركز أنّ إغلاق المعابر في 2 آذار من العام الحالي تسبب في انقطاع كلي لتوريد غذائهم الخاص، وغياب أي بدائل غذائية آمنة، ما أدى إلى إصابة 42 مريضاً منهم بحالة سوء تغذية ومضاعفات شديدة، و72 مريضاً بحالة سوء تغذية من الدرجة المتوسطة.
جهود مضنية لتوفير الغذاء
من جهته، يؤكد المدير الطبي لمؤسسة «أرض الإنسان» الفلسطينية، الطبيب ماهر أبو عبد لله، أنّ مرضى «السيلياك» في قطاع غزة يعانون بشكل كبير في ظل الظروف القاسية التي في يمرون بها «خاصة بسبب انقطاع المستلزمات الغذائية الأساسية الخاصة بهم».
ويقول عبد الله لـ «الأخبار» إنّ انقطاع المواد الغذائية الخاصة بمرضى حساسية القمح ترك آثاراً سلبية ومضاعفات كثيرة على صحة المرضى، مشيراً إلى أنّ جميع الحالات «تعاني من مضاعفات كبيرة كفقدان الوزن وانخفاض الفيتامينات والمعادن في الجسم بسبب سوء الامتصاص، بالإضافة إلى إسهال مزمن، وانتفاخ في البطن، وكذلك آلام مفصلية، وفقر دم، وتقرحات في الفم، كما أنه يؤدي إلى تأخر في النمو وتسوّس الأسنان عند الأطفال».
-
أبو عبد لله: مرضى «السيلياك» في قطاع غزة يعانون بشكل كبير (أ ف ب)
ويلفت إلى أنّ جمعية «أرض الإنسان» تبذل جهوداً مضنية في من أجل توفير الغذاء للمرضى، مضيفاً: «أصدرنا نداءً عاجلاً للمؤسسات الدولية والهيئات الإغاثية لحماية وإنقاذ حياة مرضى السيلياك في قطاع غزة».
ويوضح أنّه «على الرغم من تلك الجهود، لا تزال الفجوة واسعة، نظراً للحصار المتواصل وارتفاع الطلب على نوع خاص من الغذاء، وازدياد عدد الحالات في الحرب نتيجة لانتشار سوء التغذية وانخفاض المناعة وانعدام موارد النظافة».
وفي إطار هندسة التجويع التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، استشهد 404 مواطنين من بينهم 141 طفلاً بسبب المجاعة وسوء التغذية.
