من النازية إلى الصهيونية: التفاوض فخاً للإبادة
في خطوة جديدة في مسار الإبادة الممنهجة التي قام على أساسها الكيان الصهيوني، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير «الدفاع الإسرائيلي» يسرائيل كاتس، تنفيذ عملية عسكرية أُطلق عليها اسم «قمة النار»، استهدفت مبنى يضمّ وفداً مفاوضاً من رؤساء «حماس»


في خطوة جديدة في مسار الإبادة الممنهجة التي قام على أساسها الكيان الصهيوني، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير «الدفاع الإسرائيلي» يسرائيل كاتس، تنفيذ عملية عسكرية أُطلق عليها اسم «قمة النار»، استهدفت مبنى يضمّ وفداً مفاوضاً من رؤساء حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة. وتوالت المزاعم الإسرائيلية بأن العملية جاءت رداً على عملية القدس الأخيرة، وانتقاماً من «هؤلاء القادة الذين احتفلوا في هذا المكان نفسه (مع أنهم كانوا يومها في تركيا) في 7 أكتوبر».
وعقب الاستهداف، سارعت إسرائيل إلى نفي معرفة أميركا بالضربة مسبقاً، وادّعى البيت الأبيض أن أميركا عرفت بها لحظة الاستهداف فلم تستطع منعها. ولكنّ مسؤولاً بالبيت الأبيض، وفقاً لـ«كان» العبرية، أكد أن تل أبيب أبلغت واشنطن مسبقاً بهجومها على قيادات حماس في قطر، التي تضمّ أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، «قاعدة العُديد»، ما يؤكد معرفتها المسبقة بالضربة. رغم أن قيادة حماس كانت قد وافقت، وفقاً لبيان لها، على الورقة الأميركية للتسوية كاملة.
ومع ذلك، أصرت إسرائيل على استهداف الفريق المفاوض نفسه، بضوء أخضر أميركي، لا تحت عنوان «التفاوض تحت النار»، بل «النار من أجل تحقيق أهداف الحرب»، وعلى رأسها الإبادة الشاملة للمقاومة، فكراً وقيادة وقاعدة شعبية، وطيّ صفحتها تمهيداً لبسط السيطرة الكاملة على غزة وضم الضفة والقدس.
لا شيء جديداً في ما تقدّم، بل مسارٌ واضح المعالم، متكاملٌ أميركياً وإسرائيلياً. فما بين «ريفييرا» ترامب في الشرق الأوسط، وصولاً إلى الحلم الإسرائيلي، الأول والأخير، بـ«إسرائيل الكبرى»، مساحات شاسعة من الدعوات إلى الإبادة الجماعية. فالمسار أُعلن على لسان وزراء إسرائيليين، ليس أولهم وزير «التراث» أميخاي إلياهو الذي كرر الدعوة إلى قصف غزة بسلاح نووي، بينما دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى إبادة سكان القطاع وتجويعهم وتهجيرهم، وصولاً إلى كاتس الذي دعا إلى إبادة قادة حماس أينما كانوا. موقفٌ متّسق تماماً مع تصريح عضو الكونغرس الأميركي رندي فاين المطالب بإلقاء قنبلة نووية رداً على مقتل موظفين إسرائيليين في واشنطن.
وهنا تأتي عملية استهداف قادة حماس المفاوضين، الهادفة إلى إفراغ المقاومة من قيادتها وتفكيك قدرتها على التنظيم، ضمن مسار إبادة ممنهجة، دعا إليها الإسرائيليون، ووافق عليها الأميركيون، لكل من يقف في وجه تحقيق حلم «إسرائيل الكبرى». وهذا هو النهج الوحيد الذي تجيده إسرائيل، والذي ورثته من تجارب الاستعمارات القديمة والحديثة، على رأسها التجربتان الأميركية والنازية، اللتان لم توفرا طريقة في استخدام العنف لتصفية القيادات السياسية والعسكرية للخصوم، ونسف أي مسار تفاوضي، تمهيداً لإبادة كاملة للسكان الأصليين والسيطرة على الأراضي.
-
لن يقف الإسرائيلي عند حدّ في الاقتصاص والتشفي وإبادة كل من يقف عثرةً في وجه «إسرائيل الكبرى» (أ ف ب)
مذبحتا ساند كريك وووندد ني: التفاوض فخاً للإبادة
في مثال تاريخي يوضح نمطاً استعمارياً مُعتمداً، ويعكس وجهاً وحشياً لا يختلف في النهج عما يحدث اليوم مع قيادة المقاومة الفلسطينية، نستحضر فخّ التفاوض الذي أدى إلى مذبحة ساند كريك، في أميركا اللاتينية. ففي تشرين الثاني 1864، وبينما كان التوتر يتصاعد بين المستوطنين البيض وقبائل السهول، تلقّى قادة قبائل الشايان (Cheyenne) والأراباهو (Arapaho) رسائل طمأنة من الجيش الأميركي وحاكم إقليم كولورادو. أُبلغوا صراحةً أنهم إذا اجتمعوا في أحد المخيمات ورفعوا الأعلام البيضاء والأميركية كإشارة سلام، فسيكونون تحت حماية الجيش، وستفتح تلك الخطوة باب التفاوض لإرساء الأمن والتهدئة. استجابت القبائل، وتجمع نحو 700 رجل وامرأة وطفل في مخيم على ضفاف ساند كريك، مطمئنين إلى وعود الجيش. لكن ما بدا أنه مقدمة لمسار سياسي كان في الواقع فخاً معداً سلفاً. إذ فجر 29 تشرين الثاني، شنّ الكولونيل جون تشيفينغتون (John Chivington) وقواته هجوماً مفاجئاً على المخيم، وارتكبوا مذبحة، قُتل فيها ما بين 150 و200 شخص، معظمهم نساء وأطفال وعجزة، وشوّهوا الجثث، وقطعوا رؤوسهم وأطرافهم، واستخدموا أجزاء من أجساد القتلى كـ«تذكارات حرب».
وفي كانون الأول 1890، طُلب من قبيلة اللاكوتا (Lakota Sioux) أن تسلّم أسلحتها للجيش الأميركي في إطار ما قُدّم يومها كعملية «نزع سلاح تفاوضي». الفكرة المعلنة كانت تهدف إلى إنهاء التوتر وضمان الأمن بعد تصاعد القلق الأميركي من حركة «رقصة الأشباح» التي مارسها السكان الأصليون. عُقد اللقاء بين قوات الجيش الأميركي وجماعة من اللاكوتا قرب ووندد ني كريك (Wounded Knee Creek) في ساوث داكوتا. قُدّم الأمر وكأنه إجراء تفاوضي لضبط الوضع: تسليم السلاح مقابل الأمان. لكن ما إن بدأت عملية نزع السلاح حتى تحولت اللحظة إلى كمين مميت. فقد اندلع الرصاص عشوائياً من جانب القوات الأميركية على الرجال والنساء والأطفال، ووقعت مجزرة سقط فيها أكثر من 250 شخصاً من اللاكوتا، معظمهم من المدنيين. وهكذا تحوّل الاجتماع الذي عُرض كخطوة سياسية إلى فخ إبادة جماعية، حيث استُخدم التفاوض كغطاء لتجريد القبيلة من قدرتها على الدفاع عن نفسها، ثم ذبحها بالكامل.
هاتان الحادثتان لم تكونا استثناءً في علاقة الولايات المتحدة بالسكان الأصليين، بل جزءاً من سياسة ممنهجة اعتمدت ثلاث خطوات متكررة، الدعوة إلى التفاوض، ثم المطالبة بنزع السلاح أو تقديم ضمانات تعني عملياً حرمان الطرف الأضعف من القدرة على المقاومة، ثم الانقضاض العسكري وإبادة الخصم.
المقاومات الأوروبية في فخّ المفاوضات مع النازية
لم يختلف الوضع كثيراً خلال الحرب العالمية الثانية. إذ يذكر روبرت جيلديا في كتابه «مقاتلون في الظل: تاريخ جديد للمقاومة الفرنسية» واقعة استدراج الألمان لبعض قادة المقاومة الفرنسية إلى لقاءات بدعوى التفاوض ووقف العمليات العدائية مقابل وعود كاذبة بضمانات أمان، أعقبها اعتقالهم أو إعدامهم، بهدف تفكيك مقاومة الفرنسيين وكسرها، ما أدى إلى ضربات قاسية لجهود المقاومة الفرنسية. وهذا جزء من التاريخ الموثق عن شبكات الخيانة والضغط على المقاومة.
كما إنه يشير إلى قضية جان مولان (Jean Moulin)، أحد قادة المقاومة الفرنسية، الذي دُعيَ إلى الاجتماع في لقاءات سرية مزيفة حول تسليم الأسلحة، قبل أن يقبض عليه جهاز الغستابو تحت إشراف كلاوس باربي، ثم أُعدم. كما إنّ هناك حادثة أخرى حدثت مع المقاومة الفرنسية عام 1944، إذ دُعي 35 مقاوماً إلى لقاء تفاوضيّ مزيّف، ليتضح لاحقاً أن المرسل كان عميلاً مزدوجاً، فنُقلوا إلى فروع الغستابو ثم اختُطفوا وأُعدموا بالقرب من شلال بوا دو بولون (Bois de Boulogne).
وهكذا نجد، مرة أخرى، أن إسرائيل أتقنت دورها في وراثة أحد أسلحة الاستعمارات، على رأسها النازية. إذ استخدمت الوساطات والتفاوض أداة خداع سياسية، تستخدمها كذريعة لتصفية القيادة الفلسطينية، وصولاً إلى تصفية القضية كاملة، في مسار «إبادة ممنهجة تحت غطاء مسار تفاوضي».
إسرائيل: على درب المستعمرين الأوّلين
وبما أنّ الكيان الصهيوني هو عصارة كل الاستعمارات في التاريخ وخلاصة تجربتها، تثبت التجارب التاريخية أنه لن يقف عند حدّ في الاقتصاص والتشفي وإبادة كل من يقف عثرةً في وجه «إسرائيل الكبرى». فقد قام منذ ما قبل نشأته على فكرة الاغتيالات لكل من يقف في وجه حلمه، حتى لو كان وسيطاً دولياً، وليس مقاوماً مفاوضاً فقط. إذ اغتالت العصابات الصهيونية، قبل قيام إسرائيل، عدداً من الوسطاء الدوليين الذين حاولوا التوسط في الصراع الفلسطيني-الصهيوني، على رأسهم اللورد موين، السياسي ورجل الأعمال البريطاني، الذي اغتاله الصهاينة عام 1944، لأنه لم يشجّع هجرة اليهود من بريطانيا إلى فلسطين، والوسيط الدولي السويدي، الكونت برنادوت، الذي اغتالوه في فندق الملك داود بالقدس عام 1948 بسبب موقفه من الصراع، بعد أن طالب بعدم دعم العصابات الصهيونية مثل الهاغانا والأرغون وأتسل، ما اعتبروه عقبة أمام تحقيق المشروع الاستعماري الإسرائيلي.
ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر بهم إلى حدّ تورّط مجموعات تابعة للوكالة اليهودية في التنسيق مع الغستابو الألماني لاغتيال عدد من اليهود لإثارة رعبهم ودفعهم للهجرة إلى إسرائيل. وتكررت عمليات مشابهة في العراق ومصر حين استُهدِف اليهود هناك لدفعهم إلى الهجرة، أبرزها فضيحة «لافون» في مصر عام 1954.
التفاوض واجهة سياسية لاستكمال الإبادة
التجارب التاريخية تثبت أن سياسة الإبادة تحت ستار التفاوض ليست وليدة اليوم، من ساندي كريك إلى اغتيال الكونت برنادوت واللورد موين، وصولاً إلى كمائن النازية ضد المقاومة الأوروبية في الحرب العالمية الثانية، كلها نماذج تكشف عن استخدام الاستعمارات للعنف الشامل في تصفية كل من يقف عقبةً في وجه مشاريعها، وتوظيفها السياسة كواجهة لإكمال القتل الممنهج. وما عملية «قمة النار» في الدوحة إلا حلقة في نمط استعماريّ راسخ، تؤكد أن الكيان الصهيوني، بمشروعه التوسعي، لن يتوانى عن الإلغاء والإبادة واستئصال المقاومات والقضاء على أي قيادة قادرة على المقاومة أو التفاوض المستقل.
فقد دأبت الاستعمارات مدى التاريخ على جعل المفاوضات واجهة لخدمة مشاريعها، لا جسراً إلى العدالة أو السلام. وبالنظر إلى واقع غزة اليوم، يمكن القول إن إسرائيل تعيد إنتاج هذا المنطق نفسه، حيث تتحول كل فرصة للتسوية، بغض النظر عن الشروط أو التنازلات، إلى غطاء لإبادة جديدة.
