
أصبحت مصر في مواجهة أمر واقع يهدّد مستقبل مواردها المائية، في تحوُّل غير مسبوق في تاريخ البلد الذي شهد واحدة من أقدم الحضارات النهرية في العالم، وأكثرها استدامة. فإلى توظيف أديس أبابا حدث تدشين "سدّ النهضة" سياسيّاً، وسط حالة نشوة بادية، وبعثها برسائل تهديد وجودية إلى القاهرة، مبطّنة بدعوات إلى "استكمال التعاون" مع دولتَي المصب (مصر والسودان)، فإن فشل القاهرة في تحقيق اختراق دبلوماسي في مسار النزاع المائي، وكذلك في تقدير حجم الخطر الماثل خلف التعويل على"وعود" إقليمية بحلّ المسألة بالتراضي، أسهم في تعزيز حالة الإحباط، وإعادة طرح تساؤلات حول الآثار السلبية لِما تصفه إثيوبيا بـ"نهاية الاتفاقات الاستعمارية لتقسيم مياه النيل"، وبدء "عصر ما بعد سدّ النهضة". وكانت لـ"الأخبار"، في هذا الإطار، حوارات مع عدد من الخبراء المصريين المعنيّين بالملفّ، لقراءة التهديدات، وفرص مصر في تجاوزها.
تراجع حصة مصر المائية: التأثيرات المباشرة المرتقبة
يرصد محمد رشوان، خبير الشؤون الاستراتيجية الأفريقية والمحاضر في "أكاديمية ناصر العسكرية"، أهمّ ملامح تأثُّر مصر بالخطوات الإثيوبية الأحادية، وأبرزها تراجع حصتها من مياه النيل (55.5 مليار م³ حالياً) بـ5-15 مليار م³ سنوياً في سنوات الملء والتشغيل، وفق تقديرات وزارة الريّ المصرية ودراسات "البنك الدولي". وهذا النقص، يعني فقدان مليون فدان زراعي تقريباً لكلّ 2 مليار م³ مفقودة، ما ينعكس على إنتاج الغذاء وارتفاع فاتورة الاستيراد؛ علماً أن مصر تستورد بالفعل أكثر من 65% من غذائها (ولا سيما الحبوب والزيوت). وبالتالي، فإن أيّ ضغط إضافي سيرفع كلفة الدعم الغذائي، ويزيد عجز الميزان التجاري إلى مستويات قياسية ومستدامة.
كذلك، فإن التراجع في رفد بحيرة "السدّ العالي" بالمياه المعتادة، سيؤدي إلى تراجع اعتماد مصر على هذا السدّ لتوليد الكهرباء (حوالى 2100 ميغاواط)، وهو ما قد يكلّف الدولة استثمارات إضافية في محطّات الغاز والطاقات البديلة لتعويض الفاقد. ومن شأن زيادة استهلاك الغاز الطبيعي المحلّي في إنتاج الكهرباء، أن يقلّل من حصص التصدير، ويضغط على ميزان الطاقة.
وعن التأثيرات المحتملة على مجمل أداء الاقتصاد المصري، يؤكّد رشوان أن قطاع الزراعة (الذي يشكّل حوالى 11%-12% من الناتج المحلّي، ويشغّل قرابة ربع قوّة العمل) سيكون المتضرّر الأول، وهو ما سينعكس على النمو العام بمعدّل 0.5%-1% سنوياً، وسيحرّك التضخّم والأسعار إلى مستويات أعلى، ما يضيف 3- نقاط مئوية إلى التضخّم سنويّاً، فضلاً عن زيادة مرتقبة في عجز الميزان التجاري (الذي يتجاوز حاليّاً حاجز الـ40 مليار دولار).
في السياق نفسه، تلفت أستاذة الاقتصاد الأفريقي في جامعة القاهرة، جيهان عبد السلام، إلى معاناة مصر راهناً من عجز مائي سنوي يتجاوز الـ20 مليار م³، يتمّ تعويضه من خلال إعادة استخدام المياه (من مثل مياه الصرف الزراعي)، واستيراد الغذاء (مياه افتراضية)؛ علماً أن المنتجات الغذائية المستوردة تتضمّن مياهاً افتراضية تُقدَّر بنحو 33 مليار متر مكعب. وبالتالي، فإن إجمالي العجز المائي يُقدّر بنحو 55 مليار متر مكعب. وعليه، يصل إجمالي الاستهلاك المائي المصري إلى 110 مليارات متر مكعب. أيضاً، تلفت عبد السلام إلى مسألة مهمّة، هي أن "سد النهضة" لا يُلغي - بطبيعة الحال - حصّة مصر من المياه تماماً، لكنه يجعلها عرضة للتقلّبات، ويحوّلها من حصة "مستقرّة"، إلى تدفّقات غير مضمونة تعتمد على سياسات تشغيل السدّ الإثيوبي.
من جهتها، ترى أستاذة الاقتصاد في كلية الدراسات الأفريقية في القاهرة، سمر الباجوري، أن الآثار الاقتصادية المتوقّعة على مصر من تشغيل "سدّ النهضة"، وحرمانها من أيّ كمية من حصّتها التاريخية، تضاف إلى معاناتها من فقر مائي، تُفاقمه الزيادات السكانية، التي تزيد هي الأخرى الضغط على موارد مصر المائية. ووفقاً للباجوري، فإن وجه الخطورة في التوقعات المرتقبة، يكمن في تعامُل القاهرة "مع طرف غير متعاون، ولا يحمل نوايا طيّبة تجاهها".
وتبيّن أن الحكومة المصرية توجّهت برؤية مستقبلية ذكية نحو تطبيق خطط ترشيد استهلاك المياه وتنويع مصادرها، مع تبنّيها تغييرات هيكلية في قطاع الزراعة، سواء في أنواع المحاصيل، أو استخدام سلالات غير مستهلكة بغزارة للمياه، وأساليب ري موفّرة لاستهلاك المياه. ولكنّ الباحثة تتخوّف من أنه على رغم جهود مصر في هذا المسار، فإن تهديدات إثيوبيا بإطلاق مشروعات مائية أخرى تؤكد توجّهات أديس أبابا العدائية تجاه القاهرة، واستغلال المياه سلاحاً اقتصاديّاً، ما من شأنه أن يتسبّب بأضرار مباشرة للاقتصاد المصري.
لكنّ سمر محمد، الباحثة في الاقتصاد الأفريقي في جامعة القاهرة، تلاحظ أنه على رغم أن الخطط المصرية المتّبعة في مجال ترشيد استهلاك المياه وتطوير شبكات الريّ وتبطين الترع، إلى جانب التوسّع في إعادة استخدام مياه الصرف والتحلية، تمثّل خطوات مهمّة على طريق تعزيز كفاءة إدارة الموارد المائية، لكنها لا تكفي وحدها لتعويض الأضرار المحتملة الناتجة من أيّ تراجع كبير في حصّتها من مياه النيل بفعل "سدّ النهضة".
ومع أهمّيتها في تخفيف حدّة العجز، لكن هذه الإجراءات تظلّ مكلفة وتستغرق وقتاً لتؤتي ثمارها، في حين أن الفجوة المائية المتوقّعة قد تكون أوسع من قدرة تلك السياسات على تخطّيها أو سدّها، خصوصاً إذا ترافق تشغيل السدّ مع موجات جفاف. ولذا، تقول، إن "مواجهة التحدّي، تتطلّب استراتيجية أشمل: الاستثمار في تحلية المياه وتكنولوجيا الزراعة، إلى جانب التحرّك الدبلوماسي لضمان قواعد تشغيل السدّ بما يقلّل من حدّة الآثار الاقتصادية، وهو ما يبدو خياراً وحيداً أمام القاهرة حالياً".
وتوجز الباحثة في الاقتصاد الأفريقي أهمّ المخاطر المرتبطة باستغلال إثيوبيا لبحيرة "سدّ النهضة" على المدى البعيد، بالقول إنها "تمنح أديس أبابا قدرة مباشرة على التحكّم في تدفّقات المياه نحو دولتَي المصبّ، وهو ما يشكّل تهديداً استراتيجيّاً للاقتصاد المصري". فعلى المستوى الزراعي، وهو الأكثر حساسيّة، ستتقلّص مساحات زراعية واسعة نتيجة نقص المياه، الأمر الذي ينعكس في انخفاض إنتاج محاصيل استراتيجية من مثل القمح والأرز والذرة، وارتفاع فاتورة الاستيراد، وما يصاحب ذلك من ضغوط على الميزان التجاري واحتياطي النقد الأجنبي.
ويؤدّي تراجع الإنتاج المحلّي إلى ارتفاع أسعار الغذاء داخليّاً وزيادة معدّلات التضخم والفقر الريفي. وبوجه عام، فإن امتلاك إثيوبيا أداة التحكُّم في بحيرة السدّ "يحوّل المياه إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي، ما يجعل الاقتصاد المصري عرضة لمخاطر متكرّرة تتجاوز الزراعة إلى قطاعات الصناعة، الأمن الغذائي والطاقة".
مصر وتفنيد رواية إثيوبيا "التنموية الإقليمية"
نجحت إثيوبيا، على مدى الأعوام السابقة، في الترويج لرواية "عملها على تعزيز التعاون الإقليمي"، فيما كان "سدّ النهضة" إحدى أبرز أدوات هذا الترويج: على نحوٍ واقعي مع دول من مثل كينيا وجنوب السودان، أو بشكل دعائي فجّ في الحالتَين المصرية والسودانية.
ويرى رشوان أن طروحات أديس أبابا تلك، قامت على تعميم شعارات ومبادئ فضفاضة، مثل "النصر المشترك" و"التنمية للجميع"، من دون تفاصيل ملزمة حول حصص المياه أو آليات توزيع المنافع؛ وأن هذه الطروحات تواجه بالتالي إشكاليات عديدة، أبرزها غياب الإطار القانوني، مع تجنّب إثيوبيا أيّ اتفاق ملزم في شأن قواعد الملء والتشغيل، وربطها التعاون بمبدأ "السيادة المطلقة على الموارد"، ما ينسف فكرة التشارك (خاصة أن إثيوبيا بتاريخها الاستعماري التوسّعي في دول جوارها معروفة بعدم التزامها بمعاهدات دولية وقّعتها، مثل حدودها مع السودان والصومال وإريتريا)، في ظلّ الانشغال الدائم في محاولة الهيمنة على دول الجوار، وهو ما تسعى دائماً إلى الوصول إليه في أزمة نهر النيل.
ومما يقوله رشوان، أن الخطاب الإثيوبي يركّز على أن دول الجوار ستستفيد "عبر إثيوبيا"، أي إن الأخيرة تتحكّم في البوابة المائية والطاقة، ما يضع الآخرين في موقع التابع لا الشريك، إضافة إلى ما يصفه بـ"قصور البعد الزمني"، إذ إن التعاون في الكهرباء قد يخفّف من التوتّر جزئياً، لكنه لا يعالج جوهر الأزمة، وهو أمن المياه والغذاء لمصر والسودان، على المديَين القريب والبعيد. ويضرب مثالاً على ذلك، فكرة الاعتماد المتبادل المنقوص؛ فمصر لا يمكنها أن تساوم على المياه مقابل الكهرباء، لأن المياه مسألة وجودية لا تقبل الاستبدال، بينما يمكن إنشاء محطّات الكهرباء غير الكهرومائية.
ستتراجع حصة مصر من مياه النيل بواقع 5-15 مليار م³ سنوياً في سنوات الملء والتشغيل
وتلتقي عبد السلام مع الفكرة المتقدّمة، إذ تؤكد أن شمول الطرح الإثيوبي أفكاراً من قبيل "التعاون الإقليمي في مجال الكهرباء" عن طريق تصدير فائض الطاقة الكهرومائية إلى دول الجوار (السودان، جيبوتي، كينيا… إلخ)؛ والتنمية المشتركة عن طريق ربط تشغيل السد بفكرة "المنفعة للجميع" عبر خفض الانبعاثات، وتحسين فرص التنمية، وتوفير مصدر طاقة نظيف للمنطقة؛ وكذلك إدارة مشتركة للموارد المائية، يظلّ خطاباً عاماً يركّز على "تقاسم المنافع"، بدلاً من "تقاسم المياه". ويمكن، وفقاً لعبد السلام، النظر إلى هذه الأفكار كـ"مداخل مرحلية إذا تمّ وضعها في إطار اتفاق قانوني مُلزم يحدّد كيفية الملء والتشغيل، بما يقلّل من الأضرار على مصر والسودان. أمّا غياب آلية تنفيذ واضحة، أو ضمانات فنية، فيجعلها مجرّد شعارات سياسية أكثر من كونها حلولاً عملية، ذلك أن الطرح الإثيوبي أسير رؤية أديس أبابا للهيمنة".
وتفسّر سمر محمد هذه الأفكار الإثيوبية، بأنها "تبدو في ظاهرها مدخلاً لبناء شراكة تنموية عابرة للحدود، لكنها في جوهرها تظلّ غامضة وغير مبنيّة على التزامات واضحة، أو آليات تنفيذية ملزمة، وهو ما يجعلها أقرب إلى خطاب سياسي يهدف إلى تكريس شرعية مشروع سدّ النهضة". وتسعى أديس أبابا بشكل واضح إلى "فرض هيمنة مائية وإعادة صياغة قواعد إدارة النيل لصالحها، الأمر الذي يقلّل من فرص تحوّلها إلى ترتيبات مرحلية حقيقية، ويجعلها صعبة التنفيذ ما لم تُبن على إطار قانوني واضح يضمن الحقوق المائية لدولتَي المصبّ، ويحوّل التعاون من شعارات إلى التزامات قابلة للتنفيذ".
"سدّ النهضة" وسياسة مصر الأفريقية: مغيّر للعبة؟
تمتلك الدبلوماسية المصرية في القارة الأفريقية، ولا سيما في منطقة القرن الأفريقي، بحسب ما تقول سمر محمد، فرصاً لتعزيز موقعها التفاوضي في ملفّ "سد النهضة"، وذلك من خلال استثمار مؤشرات، من مثل ضعف المشاركة الأفريقية في حفل تدشين السدّ، مع الأخذ في الاعتبار بروتوكولية مشاركة دول جوار إثيوبيا في الحدث نفسه، على رغم تزامنه مع انعقاد قمّة المناخ الأفريقية الثانية في أديس أبابا، وهو ما يعكس قدْراً من التحفّظ الأفريقي على النهج الأحادي الذي تتبنّاه الأخيرة.
غير أن ترجمة هذا الظرف إلى أداة ضغط فعّالة، يقتضي أن تعمل القاهرة على توسيع شراكاتها الاقتصادية والتنموية مع دول حوض النيل والقرن الأفريقي، وتفعيل آليات العمل الجماعي داخل "الاتحاد الأفريقي" والمنظمات الإقليمية. ومن ثمّ، فإن نجاح تلك الدبلوماسية لا يرتبط فقط بضعف الدعم الأفريقي لإثيوبيا، بل بقدرة مصر على بناء تحالفات مؤسّسية مستدامة تجعل من قضية المياه إطاراً للتعاون العادل، لا ساحة لفرض الهيمنة.
في المسار نفسه، تضيف جيهان عبد السلام أنه يمكن مصر توظيف عضويتها في "الاتحاد الأفريقي"، ومنظمات إقليمية مثل "الكوميسا"، لإبراز مخاطر غياب التنسيق بخصوص الأمن المائي الإقليمي. كذلك، فإن تعزيز التعاون الاقتصادي مع دول الجوار الإثيوبي (السودان، جيبوتي، إريتريا وكينيا) قد يخلق بيئة إقليمية ضاغطة على أديس أبابا (لتبنّي سياسات أكثر واقعية مع القاهرة). وترى عبد السلام أن مصر تستثمر بالفعل في مشروعات طاقة، زراعة، وصحة في دول القرن الأفريقي، وهو ما يعزّز صورتها كشريك تنموي موثوق، إذ يمكن هذه المشاريع أن تُترجم إلى أوراق قوّة سياسية في ملفّات حسّاسة مثل المياه.
لكن، وعلى رغم تلك الفرص، ستظلّ الدبلوماسية المصرية بحاجة إلى تحرّك متوازن يجمع بين المسارات السياسية، الاقتصادية، والإقليمية، لأن الاعتماد على الدبلوماسية وحدها قد لا يكون كافياً أمام إصرار إثيوبيا على رؤيتها الأحادية. وبالتالي، فإن نجاح الدبلوماسية المصرية يتوقّف على الاستمرار في بناء تحالفات أفريقية قائمة على المصالح التنموية المشتركة، واستخدام ورقة ضعف الحشد الأفريقي حول إثيوبيا، كدليل على هشاشة موقفها، وأخيراً، وفقاً لعبد السلام، توظيف مؤسسات "الاتحاد الأفريقي" والضغط عبر الشركاء الدوليين لإلزام أديس أبابا بالتفاوض الجادّ.
مصر وتكلفة البحث عن حلول!
ثمّة إجماع بين الخبراء على صعوبة تعويض مصر النقص المرتقب في حصّتها من مياه النيل، إذ يلاحظ رشوان أن التوسّع في تحلية مياه البحر، على سبيل المثال، مسألة مكلفة للغاية (تكلفة المتر المُحلّى 0.6-1 دولار)، ولا تغطّي سوى الاستخدام المنزلي في الأساس، وليس الزراعة التي تَستهلك أكثر من 80% من المياه. وفيما تساهم عمليات إعادة الاستخدام في تقليل الفجوة (حالياً أكثر من 20 مليار م³ سنويّاً)، لكنها تظلّ محدودة أمام احتمال فقدان 10-15 مليار م³ سنويّاً، بفعل تشغيل السدّ. غير أن تلك الخطط لا تكفي وحدها لتعويض كامل الأضرار المحتملة من فقدان كميات كبيرة من مياه النيل، خاصة على المديَين المتوسط والبعيد.
لذا، تحتاج الحكومة المصرية - مرحليّاً على الأقل - إلى إعادة هيكلة التركيب الزراعي عن طريق تقليل الزراعات الكثيفة المياه، تطوير شراكات إقليمية مع دول حوض النيل الأخرى لتعظيم الاستفادة من المياه المشتركة، بحيث يتمّ استغلال الخبرات المصرية للاستفادة من كميات المياه المُهدرة فى بعض دول منابع النيل. وتتمثّل خطوات أخرى للحلّ، في إحياء مشروعات الريّ مع دول أخرى، مثل "مشروع قناة حونجلي" في جنوب السودان، واستغلال فاقد المياه في مستجمعات المياه في هذا البلد.
ويختتم رشوان ملاحظاته، بالقول إنه "بناءً على ما سبق، فإن خطط القاهرة تُعدّ خطوة ضرورية، ولكنها غير كافية لتعويض الخسائر الكبيرة المتوقّعة من سدّ النهضة، إذا لم يُحسم ملفّ التشغيل باتفاق ملزم"، في حين أن نجاح مصر الحقيقي يتوقّف على قدرتها على مزج الحلول الداخلية (ترشيد - تحلية - إعادة استخدام) مع الحلول الدبلوماسية والإقليمية.
من جهتها، تقترح عبد السلام إعادة ترتيب أولويات استخدام المياه بحيث تُمنح الأولوية للزراعة والشرب، ما يقلّل المتاح للصناعة. وقد يقيّد ذلك، التوسّع في صناعات كثيفة الاستهلاك للمياه، من مثل الصناعات الغذائية، الدباغة، النسيج والكيميائيات؛ وبالتالي، ستتحمّل المصانع أعباء إضافية لتمويل البنية التحتية المائية (مثل محطّات إعادة التدوير والتحلية). ونلاحظ أخيراً أن مصر قد تضطرّ إلى تشجيع الصناعات الأقلّ استهلاكاً للمياه والأعلى قيمة مضافة، من مثل التكنولوجيا، الصناعات الدوائية، والإلكترونيات وغيرها.
في المحصّلة، تواجه مصر تحدّيات جِساماً في حال تهديد حصّتها التاريخية من مياه النيل جرّاء الإطلاق الرسمي لـ"سدّ النهضة". ويتيح حجم هذه التحديات، إذا ما وُضعت في إطار أكبر عنوانه استهداف مصر وبقية دول المنطقة بمشروع هيمنة مدعوم صهيونيّاً، توقّع حراك مصري على مسارات متنوعة ومتشابكة داخليّاً وإقليميّاً، ليس مرجّحاً أن يكون من بينها التقارب مع إثيوبيا، ما يغلّب السيناريو التصادمي يوماً بعد آخر. وظهرت بوادر ذلك جليّة في إرسال مصر خطاباً إلى مجلس الأمن الدولي (9 الجاري) تتّهم فيه إثيوبيا بانتهاك القانون الدولي، في خطوة تمهيدية لمزيد من التصعيد الدبلوماسي، وصولاً ربّما إلى خطوات أخرى (غير دبلوماسية)، فتحَ الخطاب في نهايته المجال أمام إمكانية اتخاذها.

