
لندن | عندما ظهر كير ستارمر، على إذاعة «إل بي سي»، في تشرين الأول 2023، ليقول إنّ لـ«إسرائيل الحقّ في قطع المياه والكهرباء عن غزة»، بدا واضحاً أنّ زعيم «حزب العمل» قد تموضع بحزم في خندق المدافعين الأكثر تشدُّداً عن الكيان. هذا التصريح، الذي عنى ضمناً الموافقة على العقاب الجماعي، أثار غضباً عارماً في أوساط نشطاء الحزب، وأدّى إلى نفور قطاعات واسعة من الناخبين المسلمين والتقدّميّين. لكن، وبقفزة سريعة، ها هو الرجل نفسه يعلن اعتراف بريطانيا - أمّ الدولة العبرية ومؤسّستها وحليفتها التاريخية - بدولة فلسطينية، ضمن همروجة دولية بُرّرت بالسعي إلى إنقاذ ما يسمّى بـ«حلّ الدولتين»، والضغط على إسرائيل لوقف عدوانها المستمرّ على قطاع غزة منذ عامين تقريباً.
وفيما قد يبدو هذا التحوّل دراماتيكياً، لكنه، في جوهره، لا يعكس صحوة أخلاقية، بقدْر ما يكشف عن ضغوط داخلية طاحنة ذات أبعاد سياسية وانتخابية، اضطرّ ستارمر إلى التعامل معها عبر الالتحاق بركب المعترفين بالدولة الرمزية. فالاعتراف بفلسطين، بالنسبة إليه، ليس خروجاً جذريّاً عن مساره، بل هو عمل محسوب بدقّة لاحتواء الأضرار التي مسّت بسمعته، ومناورة سياسية تهدف إلى إدارة التناقضات العميقة التي تكاد تمزّق حزبه، «العمل»، وتطيح بمشروعه في «داونينغ ستريت» (مقر رئاسة الوزراء في لندن).
ولفهم هذه المناورة، ينبغي البدء من داخل الحزب الحاكم؛ فـ«العمل» يمتلك، تاريخيّاً، تيّاراً عميقاً متضامناً مع فلسطين، ممتدّاً من حملات مناهضة الاستعمار في الستينيات، وصولاً إلى سنوات قيادة جيريمي كوربن، في العقد الماضي. وبالنسبة إلى قطاع واسع من أعضاء الحزب، لم يكن دعم الحقوق الفلسطينية مجرّد موقف سياسي، بل مبدأ تنظيمي محوري.
ولهذا، عندما أيّد ستارمر، تكتيكات الحصار الإسرائيلية، انفجرت هذه القاعدة غضباً، وتبنّت فروع الحزب في الدوائر الانتخابية قرارات تدين موقفه، وهو ما أسفر عن استقالة أعضاء مجالس بلدية، وتهديد نشطاء بسحب جهودهم من الحملات الانتخابية، وصولاً إلى ما يظهر اليوم من خطر تحوّل التمرّد الصامت إلى ثورة مفتوحة داخل أروقة «العمل».
والواقع أن الضغط لم يقتصر على القاعدة الشعبية، بل امتدّ إلى نواب الحزب في البرلمان. ففي أواخر عام 2023، عندما تمّ طرح تصويت على وقف إطلاق النار في مجلس العموم، تحدّى عشرات النواب من «العمل» تعليمات القيادة، وصوّتوا لمصلحة القرار، ما أدّى إلى استقالة عدد منهم. ومن هنا، فإنّ الاعتراف اليوم يعمل كـ«صمّام أمان»؛ فهو يمنح النواب، خاصة في الدوائر الانتخابية التي تضمّ أصواتاً قوية مؤيّدة لفلسطين، شيئاً ملموساً يمكنهم تقديمه لناخبيهم، ويحول دون تفاقم التمرّد ليصبح شرخاً كاملاً في الحزب.
الدولة التي «تعترف» بفلسطين بيد، هي نفسها التي تدرّب الضباط المسؤولين عن تدميرها باليد الأخرى
والجدير ذكره، هنا، أن مدناً من مثل برمنغهام، برادفورد، وأجزاء من لندن، تُعتبر معاقل تاريخية للحزب، حيث كان ولاء الناخبين شبه مضمون له. لكنّ حرب غزة غيّرت المعادلة؛ ففي الانتخابات البلدية لعام 2024، نجح مرشّحون مستقلّون يخوضون الانتخابات على أساس برامج مؤيّدة لفلسطين في قضم حصّة «العمل» من الأصوات في عدّة مناطق، في حين سُجلت استقالات جماعية لأعضاء مجالس بلدية مسلمين، واجتماعات بلدية مكتظّة هوجم فيها ممثّلو ستارمر، وتهديدات بالامتناع عن التصويت في أيّ انتخابات مقبلة.
وإلى جانب المجتمعات المسلمة، يدرك استراتيجيّو «حزب العمل» تماماً أنّ الناخبين البريطانيين الشباب - الذين يتعاطفون بأغلبية ساحقة مع فلسطين وانخرطوا بقوة في الاحتجاجات التضامنية مع غزة - يشكّلون ركيزة أساسية لجمهور الحزب. ومن هنا، يمنح الاعتراف بفلسطين، ستارمر، أداة لدرء انزياح يسار الجيل الجديد نحو «حزب الخضر» أو المرشّحين اليساريين المستقلّين.
فضلاً عن ما تقدّم، أدى تحالف حكومة ستارمر الصلب مع إسرائيل، إلى جعلها تبدو معزولة مقارنة بأقاليم اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، التي تدفع تجاه تبنّي مواقف أكثر جرأة في دعم الفلسطينيين والتنديد بأفعال إسرائيل. وعليه، فإن الاعتراف يقرّب المركز من نغمة الحكومات المحلّية في الأطراف، فضلاً عن أنه يجنّب قيادات الحزب في الأقاليم تناقضاً داخليّاً صارخاً، ويصالح ستارمر، «رجل القانون الدولي وحقوق الإنسان»، مع صورته التي تشوّهت بفعل دعمه اللّا محدود لحرب الإبادة في غزة.
لكن بينما يقدّم رئيس الوزراء الاعتراف كعربون «إنسانية»، تكشف التقارير الاستقصائية عن تواطؤ هيكلي وعميق ومستمرّ للدولة البريطانية في تشغيل آلة الحرب الإسرائيلية. فإلى جانب الخدمات التجسّسية التي تقوم بها طائرات سلاح الجوّ الملكي، فوق قطاع غزة لمصلحة الجيش الإسرائيلي - انطلاقاً من القواعد البريطانية في جزيرة قبرص -، وديمومة إمدادات قطع غيار مقاتلات الـ«إف-35» التي يستخدمها جيش الاحتلال في سحق المدنيين، كشف تحقيق لموقع «Declassified UK»، هذا الشهر، أنّ جنوداً إسرائيليين يقاتلون في غزة، قد تلقّوا تدريباتهم في الكلّية الملكيّة للدراسات الدفاعية (RCDS) المرموقة في بريطانيا. وتضمّنت القائمة المسرّبة من خرّيجي الكلّية، ما لا يقلّ عن 32 ضابطاً إسرائيليّاً، من بينهم شخصيات بارزة، من مثل القائد الحالي للقيادة الجنوبية، الكولونيل يانيف آسور، الذي يشرف مباشرة على العمليات العسكرية في غزة.
ورغم أن وزارة الدفاع أعلنت، أخيراً، أنّ الكلّية لن تقبل طلّاباً من إسرائيل اعتباراً من العام المقبل، إلّا أنّ الضباط الإسرائيليين الموجودين حالياً في بريطانيا، سيُسمح لهم بإكمال دوراتهم؛ في ما وصفه الجنرال البريطاني المتقاعد، تشارلي هربرت، بأنه «وصمة عار»، مطالباً بطرد جميع أفراد الجيش الإسرائيلي، من مؤسّسات التدريب البريطانية فوراً.
في المحصّلة، فإنّ انتقال كير ستارمر، من تأييد الحصار إلى إعلان الاعتراف بالدولة، ليس قصة تحوّل أخلاقي، بل هو نتاج ضغوط متضافرة من قاعدته الحزبية، وكتله الانتخابية، ونوّابه، وسمعته الدولية، وحتى صورته الشخصية كمحامٍ حقوقي سابق، في وقت بدأت فيه أوساط من داخل الحزب تتحدّث عن ضرورة العمل على استبداله قبل أن يدمّر ما تبقّى من فرص لمواجهة المدّين اليميني واليساري الجارفَين.

