مشروع تسوية جديد للسودان: إعادةُ إنتاج النّزاعات
تفرض الرباعية الدولية تسوية هشّة في السودان تعيد إنتاج النزاعات، عبر ضغوط لإقصاء الجيش والإسلاميين وتكريس نفوذ إماراتي - أميركي متزايد.


لم يفلح اجتماع وزاري رفيع المستوى لرباعية السودان (حضره وزراء خارجية كل من السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة)، على هامش فاعليات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في التوصّل إلى اتفاق واضح حول الخطوات المقبلة لتسوية الأزمة السودانية، وفق ما أكّدته مصادر أميركية وأخرى سودانية. ويُظهر ذلك استمرار وجود فجوات بين الأطراف المعنية، فيما بدا لافتاً - بحسب مراقبين - تجاهُل الوزراء العرب عقْد لقاءات ثنائية مباشرة مع رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس؛ علماً أنّ بيان الرباعية حمّل الجيش و«الدعم السريع» على السّواء مسؤولية استدامة الحرب، وسمّى التيار الإسلامي وجماعة «الإخوان المسلمين» كقوى داعمة للجيش وتوجّهاته.
وإذ ظهر أنّ ثمّة أجندة دولية تدفع بقوّة نحو فرض هدنة إنسانية بشروط صارمة على طرفَي الأزمة، برزت مؤشرات على وجود ضغوط على الجيش لـ«فكّ ارتباطه» بعدد من القوى الإسلامية، والدفع بقوّة في اتجاه مرحلة انتقالية لا تكون فيها اليد العليا له، هو ما قد تضطرّ مصر إلى قبوله أملاً في تسوية «الحدّ الأدنى» لواحدة من الأزمات الساخنة التي تستنزفها.
ما بعد بيان الرباعية: تسوية أوّلية
أعاد بيان الرباعية الأخير في شأن السودان (12 أيلول)، إلى الواجهة توظيف خطاب ديبلوماسي يساوي بين الجيش و«الدعم السريع»، بوصفهما طرفَي نزاع، وهو الخطاب الذي تبنّاه «منبر جدّة» في أكثر من مناسبة. كذلك، نجحت أبو ظبي في إدخال فقرات محدّدة لإدانة دعم الإسلاميين وجماعة «الإخوان» للجيش السوداني، باعتبار هذا الدعم «تهديداً» لأيّ مرحلة انتقالية مرتقبة.
وتتّفق أماني الطويل، خبيرة الشؤون الأفريقية ومديرة البرنامج الأفريقي في «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، مع ما سبق، نسبيّاً، إذ تؤكّد أنّ بيان الرباعية منح الإمارات مطلباً أساسيّاً، وهو «الإشارة بالتخصيص إلى تيار الإسلام السياسي على أنه السبب في جميع ما آلت إليه الحرب الحالية في السودان، والمراحل السابقة عليها بطبيعة الحالي». وتقدّر الطويل أنه بناءً على ما حصلت عليه أبو ظبي، سيكون هناك «ما تقدّمه في المقابل لبقية أطراف اللجنة الرباعية، لإقرار حلٍّ سياسي، والتوصّل إلى وقف لإطلاق للنار».
في المقابل، يلفت محمد خليفة، أستاذ العلوم السياسية المشارك في «جامعة أفريقيا العالمية» في الخرطوم، إلى أنه ثمّة «دلائل متعدّدة المستوى، تثبت تورّط الإمارات في دعم ميليشيات الدعم السريع»، ما يجعل من الصعوبة بمكان تقبُّل أن تكون أبو ظبي شريكاً مقبولاً للسلام في السودان، معتبراً أنّ إقحام مسألة الإسلاميين «نوع من الصيد في الماء العكر، ومحاولة لتغبيش الرؤية، لأنّ المقاومة الشعبية داخل السودان، تضمّ الآن الإسلاميين وغيرهم ممَّن اصطفّوا خلف الجيش النظامي».
من جهته، يرى الباحث والمحلّل السوداني، عباس صالح، أنّ بيان الرباعية حمل في طيّاته عوامل فشله؛ فالحديث عن إقصاء القوات المسلحة والإسلاميين، يُعدّ «تفكيراً رغبويّاً وغير واقعي بالمرّة»؛ إذ لا يمكن إقصاء أكبر كتلتَين منظّمتَين في البلاد، ومن ثمّ توقّع تحقيق حلّ أو استقرار سياسي. ووفقاً لصالح، فإنّ «طرْح الرباعية جاء بعدما هُزمت مليشيا الدعم السريع، وفشل الرهان عليها في الحرب والتمرّد على الدولة، ولم يَعُد مقبولاً أيّ دور لها لا سياسيّاً ولا عسكريّاً في البلاد»، وإنّ «أيّ تسوية تتجاهل هذا السقف، لن تنجح، ومحاولة تمرير أو فرض تسوية على هذا الأساس تعني بذر بذور حرب أهلية حقيقية، وليست حلّاً دائماً للصراع».
ويلاحَظ هنا، أنّ خطّة العمل التي تضمّنها البيان، تهدف مرحليّاً إلى «تجريف» الساحة من المنافسين والخصوم المحتملين والفعليين، لمصلحة مجموعات سياسية يتمّ تقديمها باسم «المدنية والثورة والديموقراطية والانتقال السياسي وغيرها من الشعارات المخادعة». وبحسب صالح، فإنّ تضارب المصالح بين الأطراف الخليجية (السعودية والإمارات خصوصاً) كان تسبّب في انهيار العملية الانتقالية بعد عام 2019، ودفع البلاد إلى أتون الحرب الحالية. ولذا، فإنّ «التنافس والصراع داخل المجموعة الرباعية بين هذه الأطراف، سيعني إعادة إنتاج نفس التجربة الفاشلة والمؤلمة، من دون مراعاة التغييرات الجذرية التي طرأت داخل البلاد».
التنسيق المصري - الأميركي: نحو حلّ وسط
انتهى اجتماع رباعية السودان (نيويورك، 25 الجاري)، من دون صدور بيان جديد يجسّد حدّاً أدنى من التغيّر في مواقف بيان 12 أيلول، ما يؤشّر إلى اعتماد الأخير نقطة انطلاق في العمل الديبلوماسي الدولي تجاه السودان في المرحلة المقبلة، مع ملاحظة تزايد التنسيق المصري - الأميركي، لا سيّما لجهة مساعي خفض التشدُّد الإماراتي تجاه الجيش السوداني.
وفي هذا الإطار، تلاحظ أماني الطويل، أنّ مستوى التنسيق المصري - الأميركي في الملف السوداني ارتفع تدريجيّاً منذ نهاية عام 2024، وأنّ واشنطن باتت تتفاعل مع الأطراف الإقليمية المعنية، وفي مقدّمها القاهرة. ويتّفق معها محمد خليفة، مبيّناً أنّ ذلك التنسيق بلغ مستويات جديدة ومفهومة، «في ضوء إدراك أميركا (المتزايد)، وتأكّدها من دقّة رؤية مصر الساعية إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، والجيش في هذه المرحلة المرتقبة (اليوم التالي للحرب)»، وهو «الأمر الذي لم يكن معتمداً لدى الرباعية بشكل واضح».
ويبدو، في ضوء ما تقدّم، أنّ مصر لا تمانع من التوصّل إلى حلّ وسط لوقف الحرب، باعتبار ذلك خطوة ضرورية منعاً لتفاقم تبعاتها. كما أنها تبدي استعداداً لتأدية دور الضامن الإقليمي الرئيس للجيش السوداني في إدارة المرحلة الانتقالية، من دون تغوّل على أدوار القوى المدنية، وهو ما يُرجّح أن تقبل به الإمارات في نهاية المطاف.
القوى المدنية واليوم التالي للحرب
تؤكّد الطويل، في حديثها إلى «الأخبار»، وجود معلومات لديها عن تشاور واسع يحصل في هذه المرحلة على أكثر من مستوى، «لكنْ تظلّ المشكلة الرئيسة في صفوف هذه القوى متمثّلة في تيار الإسلام السياسي الذي يشهد بدوره انقساماً حادّاً بين فريق متطرّف يقوده علي كرتي (الأمين العام للحركة الإسلامية ووزير الخارجية الأسبق في عهد البشير)، ونافع علي نافع (مساعد البشير السابق ونائب رئيس حزب المؤتمر الوطني)، وأحمد هارون، الذين يسعون إلى حكم عسكري حتى يتمّ تأمين مواقعهم السياسية والاقتصادية والأمنيّة أيضاً؛ في مواجهة فريق إصلاحي يمتلك رؤية إصلاحية مهمّة، ورفضت قياداته قبل سنوات ترشيح الرئيس المعزول عمر البشير، للانتخابات الرئاسية في عام 2015. وهناك مجموعة ثالثة بين هذين النقيضَين، من الأكاديميين المستقلّين ممَّن كانت لهم رؤى نقدية لنظام المؤتمر الوطني، ولم ينخرطوا في صفوف الحزب. وبين هؤلاء جميعاً حال تشاور في شأن المستقبل، لكن يخصم من حظوظ تماسك التيار الإسلامي، وجود موقف مصري رافض لفكرة تسويق انتمائهم إلى تيار أيديولوجي».
الحديث عن إقصاء القوات المسلحة والإسلاميين، يُعدّ «تفكيراً رغبويّاً وغير واقعي بالمرّة»
ويختلف تفسير عباس، لحقيقة حجم التيار الإسلامي في السودان وتأثيره، إذ يشير إلى أنّ «الإسلاميين عندنا في السودان، يختلفون تماماً عن جميع تجارب الدول العربية الأخرى، وهم كانوا أول مَن تبنّى ودعا إلى العمل على أساس قُطري، ورفض فكرة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في ذلك الوقت». في المقابل، يشير خليفة، إلى فرص كبيرة لقوى مدنية سياسية (ومن بينها قوى الإسلام السياسي) لتأدية دور أكبر في المرحلة المقبلة، مبيّناً أنّ «القوى المدنية التي تعمل خارج السودان والموجودة الآن في العواصم الأجنبية، من مثل أديس أبابا وكمبالا ونيروبي، تضرّ بوضعيّتها وحضورها الداخلي، لأنّ السودانيين معتادون على الاستماع إلى الداخل أكثر من الخارج.
وإذا استطاعت هذه القوى العودة إلى السودان لإعادة طرح ما عندها، سيكون أفضل لها». أمّا إذا استطاعت القوى الداخلية أن تنظّم نفسها بشكل جيّد، وأن تطرح أفكاراً ورؤى بخصوص مستقبل البلاد، فيمكنها، وفق خليفة، أن تحلّ محلّ القوى المدنية المتمركزة في الخارج. لكنّ عباس يحمل على القوى المدنية التي تولّت السلطة بعد عام 2019، ويصفها بأنها «أصبحت معزولة داخليّاً بشكل كبير، وهذا ما أدركته العديد من الدوائر الغربية التي راهنت عليها ودعمتها سياسيّاً وديبلوماسيّاً واقتصاديّاً، بغرض تمكينها من الصمود والنجاح»، مضيفاً أنّ «مشكلة هذه القوى أنها - في الواقع وعكس ما يروَّج عنها - ذات نزعات إقصائية واحتكارية، وتراهن على الخارج أكثر من الداخل».
دول جوار السودان والتسوية: ترقُّب وانتظار
لا تبدو دول جوار السودان بعيدة من مسار الجهود الحالية لتسوية الأزمة؛ إذ يلاحظ محمد خليفة، أنّ الغرض من «التدخّل الإماراتي» هو إقصاء الجيش وإفادة قوات «الدعم»، التي تعوّل عليها أبو ظبي، وتدعمها لوجيستيّاً وسياسيّاً وعسكريّاً وميدانيّاً، و«تقيم القواعد والمستشفيات الميدانية في تشاد من أجل دعم حميدتي وقواته. وكل ذلك بهدف إضعاف الجيش السوداني».
وعلى هذا، يردّ الباحث التشادي في الشؤون الأمنية في الساحل الأفريقي، حسن كلي ورتي، بالقول إنّ «تشاد من الدول الأوائل التي طلبت من الطرفَين تجنّب النزاع المسلّح الذي يؤدّي حتماً إلى تفاقم الأوضاع الأمنية والسياسية. وتشاد تؤيّد الجهود الديبلوماسية لتسوية الأزمة السودانية بين الأشقاء. وفي هذا السياق، هي شاركت في مجموعة من اللقاءات والمؤتمرات، سواء تعلَّق الأمر بمبادرات الدول المجاورة للسودان أو مبادرة جدّة أو غيرها». وترى تشاد، بحسب ورتي، أنّ «تسوية النزاع تأتي في مصلحتها سياسيّاً واجتماعيّاً، لأنها تتقاسم مع السودان حدوداً طويلة تزيد عن ألف كيلومتر مربع، وهنالك قبائل مشتركة قسّمتها الحدود المصطنعة الغربية. كل تداعيات الحرب تمسّ بسلامة وأمن المنطقة وخاصة أمن تشاد».
أمّا فوك بوث بالوانق، السكرتير الصحافي بالإنابة للنائب الأول لرئيس جمهورية جنوب السودان، فيلفت، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى عدم اختلاف موقف جوبا تجاه جهود الولايات المتحدة عن الجهود الإقليمية والدولية الأخرى، التي تسعى إلى إيجاد حلول سياسية توافقية شاملة بين الأطراف المتصارعة وأصحاب المصلحة في «السودان الشقيق»، وأنّ بلاده «لطالما اضطلعت بدور فاعل في كافة المبادرات التي تهدف إلى تحقيق السلام في السودان، نظراً إلى ما يربط البلدَين من روابط اقتصادية وسياسية».
وبخصوص مدى اتفاق جوبا مع رؤية مرحلة انتقالية في السودان لا يكون الجيش فاعلاً سياسيّاً رئيساً فيها، ومدى واقعية هذا السيناريو، يؤكّد بالوانق «إيمان جوبا بأنّ الحلول السياسية للأزمة السودانية يجب أن تكون رؤية سودانية خالصة، تنتج من توافق جميع الأطراف، من دون فرض أجندات خارجية أو إقصاء أيّ طرف».
وفي ردّ حسن ورتي، على تساؤلَين عن مدى الضغط الذي تمثّله الأزمة الإنسانية في السودان على المناطق الحدودية بين البلدين، واحتمالات تفاقمها في حال تصعيد المواجهة بين الجيش و«الدعم» في ولايات دارفور، يؤكّد خطورة تفاقم الأزمة الإنسانية على المناطق الحدودية التشادية؛ ولذلك، «طلبت الحكومة التشادية من شركائها الدوليين والمنظمات المتخصّصة في الشأن الإغاثي أن تساندها في تجاوز هذه الأزمة الإنسانية على جميع الصعد سواء التربوية، أو التعليمية أو الاجتماعية والصحية».
ختاماً، يبدو من سياق المساعي الديبلوماسية الأخيرة، وإنْ كانت غير متبلورة بعد في صورة رؤية واضحة ومجدولة زمنياً، أنّ ثمّة تأهّباً لِما يصفه مراقبون بـ«اليوم التالي للحرب» في السودان، وسط سعي أطراف الرباعية الدولية إلى فرض خيارات مؤلمة على الجيش تحديداً. لكن، تظلّ معالم هذا اليوم مرهونة بكيفية استجابة القوى السياسية السودانية، وليس مستثنىً منها قوى عاملة تحت مظلّة الإسلام السياسي، وكذلك بقبول الجيش إطارَ هذه التسوية وجدولتها.
