
يجادل البعض بأن أبرز ما حقّقته عملية «طوفان الأقصى»، هو إعادة القضية الفلسطينية، التي كانت تخضع، طوال العقود الماضية، لعملية «تصفية صامتة»، وسط تعتيم إعلامي ممنهج، ولا سيما في الغرب، إلى المحافل الدولية، مساهمةً في خلق رأي عام أكثر وعياً إزاء القضية. وانعكس ذلك، مثلاً، في تظاهرات غير مسبوقة في الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام، تندّد بالإبادة الإسرائيلية المستمرة، وبإبحار أكثر من 44 قافلة، من أنحاء العالم كافة، أخيراً، في اتجاه غزة لكسر الحصار المستمر عليها منذ عشرات السنوات، جنباً إلى جنب الإضرابات والتظاهرات التي أشعلت العواصم الأوروبية.
على أنه على الضفة المقابلة، تبدو معظم الإجراءات التي اتّخذتها الدول الغربية، نزولاً عند الضغوط الشعبية والسياسية، وتحديداً في أوروبا، سواء في ما يتعلق بتعليق بعض مبيعات الأسلحة، أو الاعترافات المتزايدة بالدولة الفلسطينية، منقوصة، وهي تفشل، ظاهرياً، في تحقيق أي تغيير فعلي للفلسطينيين على الأرض؛ إذ إنه رغم أن الحكومة البريطانية علّقت، مثلاً، 30 من أصل 350 رخصة تصدير للمعدّات المرسَلة إلى إسرائيل، شملت تراخيص لطائرات الهليكوبتر وقطع غيار الطائرات المسيّرة، في أيلول 2024، فإن بعض جماعات حقوق الإنسان سرعان ما خسرت، لاحقاً، قضية الطعن التي كانت قد تقدّمت بها ضدّ قرار الحكومة البريطانية باستمرار تزويد إسرائيل بأجزاء لطائرات مقاتلة من طراز «أف – 35»، ومعدات عسكرية أخرى، بناءً على حكم أصدرته المحكمة العليا في لندن في تموز الماضي.
وفي حين قادت فرنسا «حملة» الاعتراف بالدولة الفلسطينية في «الأمم المتحدة» أخيراً، إلا أن تقارير عدّة كشفت، على سيبل المثال، أن باريس تسيّر في لبنان طائرات تقوم بمهمات «استخباراتية» لمصلحة إسرائيل، تتجاوز مهمة «الاستطلاع»، وتساعد الأخيرة في استكمال عدوانها على مناطق عدة من البلاد، والذي يؤدي إلى سقوط عدد متزايد من الشهداء المدنيين.
على أنّه في مقابل مناورات الدول الأوروبية، ومعها بعض الدول العربية، المتخوّفة من المعارضة والوعي الشعبي المتزايدين، ثمة دولٌ ترى في معاناة الشعب الفلسطيني على يد إسرائيل، وراعيتها واشنطن، «مرآةً» لمعاناتها، وتاريخاً مشتركاً، يدفعانها إلى اتخاذ مواقف أكثر راديكالية داخل معسكر، كان يؤرق، بالفعل، النظام الغربي الحاضن لإسرائيل منذ نشأتها.
كولومبيا مثالاً
تاريخياً، كانت لإسرائيل علاقات عسكرية مع كل الديكتاتوريات الأكثر وحشية في أميركا اللاتينية تقريباً، بعدما عمدت إلى تزويد الجيش والشرطة «وفرق الموت» اليمينية المسؤولة عن ملايين القتلى بالأسلحة وتدريبها. وشمل هذا الدعم جمهورية الدومينيكان في الخمسينيات، والبرازيل في الستينيات، والسلفادور والأرجنتين في السبعينيات. وعليه، من غير المستغرب أن يخرج الموقف الأبرز في ما يتعلّق بالعدوان الإسرائيلي على غزة، من إحدى تلك الدول، وتحديداً كولومبيا، التي أعلن رئيسها، غوستافو بيترو، أن «الديموقراطية أدت الدور المطلوب منها في قضية غزة، وفشلت في حلّ المسألة»، داعياً، في خطوة غير مسبوقة، إلى «تشكيل قوة مسلحة للدفاع عن حياة الشعب الفلسطيني، من البلدان التي ترفض الإبادة الجماعية».
واللافت، أن بترو كان ذات يوم ناشطاً في حركة «M-19» اليسارية، التي خاضت معارك طاحنة ضدّ جماعات مدرّبة على يد إسرائيل نفسها؛ إذ إنّه وفقاً لـ«لجنة الحقيقة الكولومبية»، قُتل بين عامَي 1986 و2016 نحو 450 ألف شخص، وهُجّر أكثر من 121,700 خلال مرحلة دامية من الصراع بين الحكومة والجماعات شبه العسكرية اليمينية المتحالفة معها من جهة، والحركات اليسارية من جهة أخرى. وآنذاك، كانت كولومبيا - في ثمانينيات القرن الماضي - تعزز علاقاتها التجارية مع إسرائيل، فيما أسهمت خبرة الأخيرة وأسلحتها في تغذية تلك الجماعات، التي درّب الجنرال الإسرائيلي المتقاعد، يائير كلاين، وعدد من رفاقه الدفعات الأولى من أعضائها، بمن فيهم كارلوس كاستانيو، أحد مؤسّسي أخطر التنظيمات شبه العسكرية.
ومن بين الحالات الأخرى الموثّقة لدور إسرائيل أيضاً، إشراف يائير كلاين، المقدّم المتقاعد في الجيش الإسرائيلي، الذي كان يدير شركة أمنية خاصة، جنباً إلى جنب ضباط إسرائيليين، بين عامَي 1987 و1989، على تدريب قوات شبه عسكرية وميليشيات كولومبية يمينية مرتبطة بعصابات المخدرات، بما فيها كارتل ميديلين والإخوة كاستانو. وقد ترتّب على كلّ ذلك، ارتباط الحركات اليسارية الكولومبية بقضايا تحررية أوسع، منها القضية الفلسطينية، في إطار ما وُصف آنذاك بـ«التضامن الجنوبي - الجنوبي بين الثوار والمناضلين من أجل الحرية».
«الأبارتهايد»
ولجنوب أفريقيا التي كانت، منذ بداية الحرب، في طليعة الدول المناهضة للإبادة الإسرائيلية، معلنةً حتى عن نيتها اعتقال مواطني بلادها الذين يقاتلون إلى جانب قوات الاحتلال في غزة، فور عودتهم إلى البلاد، «قصتها الخاصة» مع إسرائيل. في الواقع، تزامن تأسيس دولة الاحتلال، عام 1948، مع قيام نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، قبل أن ينشأ، في ستينيات القرن الماضي، تحالف سياسي وعسكري بين الكيانين، ازدادت قوته بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية والجولان السوري عام 1967.
وفي سبعينيات القرن الماضي، عملت حكومة يتسحاق رابين على توطيد العلاقة مع نظام «الأبارتهايد»، وكان شمعون بيريز أحد أبرز مهندسي هذا التحالف؛ إذ رغم إدانته العلنية للفصل العنصري، فقد أدى دوراً بارزاً في إنشاء تحالف ساعد في إبقاء ذاك النظام واقفاً على قدميه، بينما كانت بقية العالم تنقلب ضدّه بشكل متزايد.
وفي عام 1975، أُنشئ مكتب مشترك لـ«الحرب السياسية والنفسية» كجزء من حملة دعائية بقيمة 100 مليون دولار لتحسين صورة جنوب أفريقيا دولياً. وبحسب تقرير لشبكة «إن بي سي نيوز»، وبموجب شروط الاتفاق الذي دافع عنه بيريز، وزير الدفاع آنذاك، وإسحق رابين، رئيس الوزراء، تعهدت إسرائيل بمساعدة جنوب أفريقيا على «صقل» سمعتها الدولية. ولاحقاً، عام 1976، «فرشت» إسرائيل السجادة الحمراء لاستقبال رئيس وزراء جنوب أفريقيا، جون فورستر، الذي كان البريطانيون قد سجنوه خلال الحرب العالمية الثانية، بسبب أنشطته المؤيدة للنازية.
ومن بين المواقف الأخرى التي طبعت الذاكرة الشعبية في جنوب أفريقيا، إعلان رئيس أركان جيش الاحتلال، الجنرال رافائيل إيتان، الذي شغل منصب وزير الزراعة والبيئة ونائب رئيس الوزراء خلال مدة ولاية بنيامين نتنياهو الأولى، أن السود في جنوب أفريقيا «يريدون السيطرة على الأقلية البيضاء، تماماً كما يريد العرب هنا السيطرة علينا... ويتعين علينا، مثل الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا، أن نعمل على منعهم من الاستيلاء على السلطة». وبعيداً من الدعم السياسي، ربط تحالف عسكري وثيق كلّاً من الكيان الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري، وشمل التعاون في تطوير أسلحة نووية.
«التحوّل»
إلى جانب كونها جعلت إسرائيل أكثر عزلةً ممّا كانت عليه في أي وقت في تاريخها، فبالإمكان القول إن الحرب الدائرة في غزة قد سرّعت من وتيرة التحولات العالمية، والتي قد لا تصبّ، في نهاية المطاف، في مصلحة ميزان إسرائيل والقوى الحليفة لها، رغم «الجموح» الإسرائيلي الراهن. ولعلّ من أبرز المؤشرات على ذلك، إظهار استطلاعات الرأي، بشكل مستمر، أن غالبية مواطني دول الجنوب العالمي «المكتظة» بالسكان، من مثل البرازيل والهند وإندونيسيا والمكسيك ونيجيريا وباكستان والسعودية وجنوب أفريقيا وتركيا، أصبحوا يفضّلون التعاون «الثنائي» على التعاون «المتعدد الأطراف» مع الدول الغربية والمؤسسات الدولية القائمة.
ويأتي ذلك على خلفية تزايد «انعدام الثقة» تجاه الأخيرة، طبقاً لتقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي»، ولا سيما أنه عقب ما سمّته بعض تلك الدول «سياسة فصل اللقاحات العنصري» في زمن «كورونا»، وعدم وفاء الدول «المتقدمة» بالتزاماتها، جاءت ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع حربي غزة وأوكرانيا لترسّخ قناعة هذه الشعوب بأنّه في عقلية «المستعمر»، ليست كلّ الحيوات سواء.

