«طوفان الأقصى»... كأنه إيذان بالنهاية
يُظهِر «طوفان الأقصى» تفكك الاحتلال وتعزيز موقع المقاومة كمنعطف حاسم في القضية الفلسطينية، ومساراً نحو التحرير وتوسيع التضامن الدولي.


في مثل هذا اليوم، قبل سنتين، استيقظتُ على صفّارات الإنذار تدوّي في سجن جلبوع - حيث كنت أُحتجز -، أسوةً بباقي الصفّارات المنتشرة على كامل جغرافيا فلسطين المحتلّة. يومها، ظننتُ أنّ ما يحدث كان ردّاً من المقاومة على اغتيالٍ ما. والآن، أدرك أنها لم تكن صفّارة إنذار بانطلاق رشقات صاروخية، بقدْر ما كانت صفّارة النهاية - الاحتلال يتداعى على غير صعيد.
وبعدما جرت مياه الطوفان في مجاريها، وغيّرت ما غيّرت - ولا تزال -، لا بدّ من الكتابة حول الأمر بطريقة تختلف عمّا ظننّاه في زنازيننا، في حينه. فقد بات الطوفان محرّك التغيير، ومولّد الانزياحات المتضادّة حول العالم، بعدما أضحى عابراً للوطن والإقليم. وها نحن نرى الاصطفافات الجديدة، ما بين مؤيّد للحقّ الفلسطيني ومتبنٍّ لسرديّته، وما بين داعم للاحتلال وساعٍ إلى تطبيعه وتأبيده.
بعد سنتين من لحظة الطوفان الأولى، لا تزال التداعيات مستمرّة، والارتدادات متتالية نحو ترسيخ حقيقة أنّ الطوفان هو الانعطافة الأهمّ في تاريخ القضية الفلسطينية.
على أنّ القدرة على رؤية تداعيات الطوفان بعينَي كلّ فلسطيني ومناصر، لا بدّ أن يصيبها التشويش، نتيجة حجم الدماء الهائل ومزق الأشلاء المتناثر طوال الساعة في غزة، وصولاً إلى طهران عبر الجنوب اللبناني والضاحية فصنعاء وبغداد. فهذا الكمّ المهول من التضحيات، يجعل من الصعوبة بمكان أن تلتفت إلى غير دم أهلك وأحبّتك وأشلائهم.
لكن، إذا استطعتَ أن تنظر إلى باقي المشهد، سترى أنه في تلّ تتعمّق الصدوع القائمة أصلاً، وتزداد حال الاستقطاب بشكل لا يمكن أن نتوقّع تعافيهم منه، وستشاهد حجم تبنّي السردية الفلسطينية حول العالم؛ وما هولندا، التي كانت تُعدّ المملكة الأوروبية الأكثر تضامناً مع الصهيونية وروايتها، عن هذه اللحظة ببعيدة، إذ شهدنا، في الأمس القريب، ما يحدث في شوارعها أسوةً بالشوارع الأوروبية، وكثير من شوارع العواصم حول العالم، وصولاً حتى إلى يهود الولايات المتحدة، الحاضنة الأهمّ والمؤثّر الأكبر في رعاية المشروع الصهيوني ودعمه، والذين تشير استطلاعات الرأي إلى ازدياد غير معقول باعتقادهم بأنّ إسرائيل تسيء إليهم كيهود، وأنها تمارس الإبادة الجماعية باسمهم.
الطوفان هو الانعطافة الأهمّ في تاريخ القضية الفلسطينية
ومثل هذه النظرة، تجعلنا ندرك أنّ الطوفان في ذروته، وأنّ ثماره آتية ولو بعد حين، وإنْ كان فرض الوقت وضرورة المرحلة يتطلّبان التركيز على وقف شلّال الدم في غزة، وهو ما يسعى إليه مفاوضوا المقاومة الآن. كذلك، فإنّ جهداً استثنائياً مقابلاً تتطلّبه المرحلة في كل الساحات لتعزيز وتنظيم نتائج وتأثيرات الطوفان المتتالية نحو الوصول إلى لحظة الانعتاق الأكيد من نير الاحتلال، عبر البناء على منجزات الطوفان وتداعياته.
قد نختلف حول توقيت الطوفان وصوابية القرار، ويبدأ الجدل النخبوي في صالونات النقاش لِمن يجد رفاهية الوقت لمثله في هذه اللحظة، غير أنّ الفعل في الميدان، سواء من حامل الثوار بين أنقاض غزة، أو المحتجّ والمعتصم في عواصم الدنيا، أو أصحاب القلم المترجم لهذه التضحيات وعياً ومخيالاً في عقل الأمّة الجمعي، بل في عقل الإنسانية جمعاء، وما سيترتّب على هذا الوعي من فعل مأمول.
في الذكرى الثانية للطوفان، نرى قوى الطغيان الكبرى تضطر إلى مفاوضة المقاومة باعتبارها واقعاً يأبى الانكسار أو التبخّر تحت نيران هذه القوى من غزة إلى الدوحة مروراً ببيروت وعواصم محور القدس. لا بدّ من إدراك أنّ تداعيات الطوفان يجب أن تتحوّل إلى إنجاز، وهذا جهد عظيم يستدعي انضواء جميع المؤمنين بالطوفان للعمل على ترسيخ وتعزيز رسالته، سواء بالفعل والاشتباك المباشر أو بالتأييد والاحتضان لهذه التداعيات، وصولاً إلى اللحظة التاريخية، التي باتت أقرب إلى النضوج من أيّ وقت مضى، للخلاص والانعتاق من احتلال يجثم على صدورنا وحتى أحلامنا. احتلالٌ بات اليوم أكثر تصدّعاً وأيولاً إلى السقوط، إذا ما استمرّت موجات الطوفان وتوظيفها؛ وهذا ما نتوقّعه ونأمله.
*أسير فلسطيني سابق
