ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

السابع من الأبد

فلسطين
حفظ المقالة

يُعيد السابع من أكتوبر تشكيل وعي المقاومة كصرخةٍ بطولية ومذبحةٍ تاريخية تؤسس لمسار تحرّر ومواجهة للاحتلال.

عوني بلال
عوني بلال
الثلاثاء 7 تشرين اول 2025
(أ ف ب)
(أ ف ب)
الخط

لعل أسوأ توقيت للكتابة عن السابع من أكتوبر هو السابع من أكتوبر. ورغم ذلك، فهذا هو التوقيت المفضّل غالباً. والأمر غريب عندما تفكّر به: هذا الطقس الأسطوري الذي تنتظر فيه عودة الأرض لذات موضعها من الشمس عندما حصل الحدث أول مرة كي تقول شيئاً عنه، سواء أكان احتفاءً، أم بكاءً، أو حتى درساً وتحليلاً. وكلما مضى 365 يوماً (هذا الرقم الغنوصي المقدّس) يحين الموعد الدوري لممارسة الطقس من جديد ليبدأ الحديث عمّا جرى «في مثل هذا اليوم». لستُ طبعاً ضد الفكرة بالمطلق. أشياء كثيرة يليق بها هذا الإحياء السنوي للذكريات: عيد الأم، نكسة حزيران، استقلال لبنان، تطوير لقاح الجدري، وجمهرة أحداث في السياسة والعلم والتاريخ والحروب.

■ ■ ■

لكنّ السابع من أكتوبر (رغم هذه التسمية التي أستخدمها) لم يعد تاريخاً مُعيّناً بيوم ولا مقروناً بشهر. في الحد الأدنى، هو لم يعد أسيراً لهذه الأوصاف، وصار له وجود خارج ساحة الزمن المؤرّخ. مئتا ألف طن من المتفجّرات (دعوني أكتبها رقماً: 200000000 كيلوغرام)، وسبعون ألف روح، وأكبر تعداد عرفه التاريخ لأطفال بلا أطراف، ومدن مَحَتها مقالع الجرافات، وأجهَزَتْ على بقيتها ألغام مجنزرة تسير من تلقاء نفسها (تلك التي يدعونها مجازاً روبوتات، أحدث إسهامات إسرائيل في الإبادة الحضرية).

ثم اعطِفْ على ذلك أرقام لبنان، ثم أرقام اليمن. كل هذه الأهوال لم تعُد جزءاً من الحدث الأول فحسب، بل أعادت خلق السابع من أكتوبر وجعلت منه شيئاً غير الذي كانَه، وأكبرَ مما كانَه. ولأجل كل هذا، فالكتابة هنا ليست إحياء للذكرى ولا حتى وقوفاً أمامها. دافعي لاختيار التوقيت ليس شريفاً تماماً: دافع التوقيت هو التشهير بفكرة التوقيت نفسه (كمن يقتحم ندوةً ليحتجّ عليها). السابع من أكتوبر لم يعد ذكرى (عملياً، لم يُتح له أن يعيش ترف الذكرى وتكريماتها)، بل صار شيئاً -وأقولها مجدّداً- أهمّ بكثير.

■ ■ ■

منذ عامين وإسرائيل تصبّ على «الذكرى» أكبر دفقٍ ممكن من الدم وتهيل عليها كل ردمٍ متاح. والأمر لا يحتاج إلى تحليل مرهف: تدفيع أثمان مريعة تكون درساً خالداً في وعي العرب عن عبث التمرّد على إسرائيل. لكنّ نجاح إسرائيل في تنفيذ خطتها شيء، ونجاح الخطة نفسِها شيء آخر. صحيح أن إسرائيل غيّرت السابع من أكتوبر عمّا كانَه، لكنها لا تستطيع أن تَحكم ما صارَه وتَحوّر إليه.

■ ■ ■

أعلم تماماً أن مجاميع كبرى تتسابق اليوم في «نقد» ما جرى صبيحة ذلك اليوم. بعض هؤلاء هم ممن كسرهم المشهد في العامين الماضيين. وليس عندي ما أقوله في مقام هؤلاء. لكنّ الجهد النقدي الأهم لـ«طوفان الأقصى» تبذله آلة الإعلام العربي -المحشوّة نفطاً ومثقفين- والتي استنفرت بالتدريج ضد «الطوفان» وضد ما عناه. وإذا كان السهل صنوَ الرخيص، فهذا النقد لـ«الطوفان» -في أغلبه- هو أرخص ما يُشترى في سوق الكتابة اليوم. ليس لأنه قائم على حكمة استرجاعية -ولا استقبالية- بل لأنه لا يكاد يحتاج إلى بشر ليكتبوه من الأساس. وأكثر ما تقرأه في هذا الإطار كان يمكن إنتاجه بمولّدات الذكاء الاصطناعي المُتاحة مجاناً، فهو إعادة تدوير لأدبيات مستقرّة في معجم الاعتدال العربي: «ماذا استفدنا» و«فداحة الثمن» و«مغامرات حماس». ومَن يدري فلعلّه فعلاً يُنتَج كذلك.

■ ■ ■

بطبيعة الحال، فأنا مطّلعٌ على أدبيات: «لا شيء فوق النقد» و«لا لتقديس الأحداث». لكني أزعم أن التمييز بين ما ينفعُ النقدُ فيه وما لا ينفع، مسألة شديدة الأهمية. ومَن يُقدِمون على أفعالٍ كبرى في مضمار السياسة والتاريخ ليفتحوا فيها أبواب الممكن لا يُحاكَمون بما يجري على تلك الأبواب، وإنما على نجاحهم أو تعثّرهم بما سعوا لاجتراحه. هناك أفق هائل للقراءة النقدية على أصعدة تقنية شتى تخصّ المواجهة التي حصلت، في أَمنيَّاتها وأسلحتها وتِقانتها. هنا يحمل النقد وزناً معرفياً نافعاً ويكون له أملٌ بالجدوى.

■ ■ ■

يبقى سؤال واحد أجده جوهرياً في فهم التحوّل الذي أصاب السابع من أكتوبر بعد كل ما تلاه: ماذا يحصل عندما تصهر عنصرين مختلفين (وربما متعاكسين) في وعي الإنسان وتجعل منهما معدناً ثالثاً جديداً: العنصر الأول، فعل بطولي نادر لطرف محاصَر، بمَشاهد يكاد تصديقها يكون مستحيلاً لفرط الإقدام الذي فيها. والثاني، مقتلة كبرى كهذه التي تجري حتى اليوم، وبصنوف من الإجرام يكاد تصديقها يكون مستحيلاً لفرط الشرّ الذي فيها.

أكثر ما تقرأه في هذا الإطار كان يمكن إنتاجه بمولّدات الذكاء الاصطناعي المُتاحة مجاناً، فهو إعادة تدوير لأدبيات مستقرّة في معجم الاعتدال العربي: «ماذا استفدنا» و«فداحة الثمن» و«مغامرات حماس». ومَن يدري فلعلّه فعلاً يُنتَج كذلك

هناك أديان وُلدت في ظروف شبيهة، وهناك عقائد نتجت من تداخلات كهذه. ولمن يؤمنون بهذه القضية حقاً، فكلما مضى زمنٌ أكثر، بهت التراتب الزمني بين الأمرين، بين البطولة والمذبحة، وأخذا معاً هيئة متراصّة واحدة. أشياء كهذه تصنع في الوعي وإرادة الفعل ما لا يصنعه شيء آخر في هذا العالم.

لا أقصد بأيٍّ من هذا «جماهيرَنا» و«شعوبنا» وحافزيتها للتحرك. مهرجانات الكوميديا وكرنفالات الطعام وبطولات الرياضة لم تتوقف على امتداد العالم العربي خلال العامين الماضيين (مع الاستثناء اليمني الدائم). لم يعد لأحد أوهام حول جبروت الجماهير المزعوم. لكنّ الفئة التي حفر فيها الحدث الغزاوي هي الفئة الأهم، وهي تشمل -بطبيعتها- أكثر الأفراد قدرة وتجاسراً على الفعل، وخامة الحركة المقاومة في مستقبلها القادم. أدرك طبعاً شبهة «الإنشاء» في كلامٍ كهذا، لكنّ الأعوام التالية ستكون فيصل الأمر، وقناعتي أن الشهادة الملحمية لقادة المقاومة كانت أكبر بكثير مما دُبِّجَ فيها وكُتب عنها، وأن أثرها الأهم سيكون فعلاً على الأرض، وأنها تعتمل منذ الآن.

■ ■ ■

كل نقدٍ مستحَقٍّ في مضمار هذا الموضوع يتعلق أساساً بنا، لا بمن فكّوا مغاليق الأفق المسدود قبل عامين على حدود القطاع المُحاصر. كل نقدٍ مستحَق يتعلق بما يفعله وسيفعله أولئك الذين شهدوا ما جرى ويشهدون ما يجري، بما سيسعون لردمه في فجوة التقنية، وتطوير السلاح، والمقاومة التي سيعيدون خلقها في خضمّ المعركة. «طوفان الأقصى» بات شيئاً من الأقصى نفسه؛ موطن قداسة، وشاهداً خارج التاريخ على جرم الغزاة، وصخرة يُنقش الوعي عليها، لا جملة يُحبِّرها المرء في وعيه.

* كاتب فلسطيني

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك