
غزة | رغم ما تعكسه تصريحات المسؤولين الأميركيين من تفاؤل بقرب التوصّل إلى اتفاق يفتح الباب أمام وقف إطلاق نار يقود إلى إنهاء تام للحرب المستمرة على قطاع غزة منذ عامين، فإنّ خرائط التموضع الحالية لجيش الاحتلال، وما تطالب به المقاومة في المقابل من خرائط انسحاب مغايرة للرغبة الإسرائيلية، يبقي العُقدة التي من شأنها تفجير المشهد الذي يزداد زخماً في مدينة شرم الشيخ المصرية، قائمة.
ففي الوقت الحالي، يسيطر جيش الاحتلال بشكل فعلي على نحو 80% من مساحة قطاع غزة، إذ يحتلّ أكثر من ثلثي محافظة خانيونس، وهي أكبر محافظات القطاع، ومدينة رفح بشكل كلّي، بالإضافة إلى 90% من مساحة مدينة غزة والأحياء الشرقية والغربية المحيطة بها، فضلاً عن محافظة شمال القطاع التي تضمّ مدن جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون ومخيم جباليا بشكل كلّي، فيما يُحشر سكان القطاع جميعهم في جيب ضيّق متبقٍّ في مدينة غزة، والمحافظة الوسطى ومخيماتها، بالإضافة إلى منطقة المواصي الغربية لمدينة خانيونس جنوباً.
وما يعرضه الاحتلال في ما اصطلح على تسميته «المرحلة الأولى» من خطّة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هو الانسحاب إلى حدود عملية «مركبات جدعون» الأولى، بمعنى أنّ السيطرة الفعلية لجيش الاحتلال ستبقى على ما نسبته 75% من مساحة القطاع. وتقضم تلك المساحة كامل محافظة شمال غزة، والمناطق الشرقية المعمورة من أحياء جباليا البلد والتفاح والشجاعية والزيتون وشرق محافظة خانيونس وكامل مدينة رفح، ومعها محورا «موراج» و«ماعين عوز» في مدينة خانيونس.
المراحل التالية للانسحاب تأتي بعد أن تفقد المقاومة ورقة الأسرى
ويجلّي ذلك جانباً من الأفخاخ التي تحملها خطّة ترامب، التي تضمّنت المطالب الإسرائيلية بحذافيرها؛ إذ هي تربط «المرحلة الأولى» من الصفقة المفترضة بالإبقاء على 75% من مساحة القطاع ضمن السيطرة الإسرائيلية، في حين ترهن بقيّة مراحل الانسحاب بمطالب نزع السلاح ثم تشكيل القوات الدولية التي ستتولّى الانتشار في مدينة غزة وحدودها، من دون التقيّد بأي سقف زمني، ما يعني أنّ إسرائيل تمتلك شيكاً مفتوحاً للمراوغة لأشهر، بل لسنوات، خصوصاً أنّ تلك المراحل تأتي بعد أن تفقد المقاومة ورقة الأسرى الأحياء والأموات الذين سيتمّ تسليمهم في الأيام الأولى من الاتفاق.
ووفقاً لمعلومات حصلت عليها «الأخبار»، فإنّ الزخم الذي تشهده مفاوضات شرم الشيخ، يتركّز في المقام الأول على قضية الانسحاب وخرائط إعادة الانتشار المرتبطة بكل مرحلة من المراحل. ففيما تريد إسرائيل احتلالاً طويلاً للقطاع يلبّي حاجات التوسّع تحت ذريعة الضرورات الأمنيّة، تريد المقاومة أن تحقّق هدف الانسحاب في طليعة بنود الصفقة، بل وربطه بتسليم الأسرى أو البحث عن جثامين الأموات منهم الذي يتطلّب واقعاً ميدانياً خاصاً يفرض ضرورة الانسحاب وإعادة الانتشار.
في النتيجة، تبقى قضية الانسحاب الإسرائيلي من القطاع القشّة التي من شأنها أن تفجّر المشهد السياسي في أي لحظة، وهي ورقة القوة التي تمتلكها إسرائيل بوصفها القادرة على صناعة الوقائع على الأرض، في ظلّ ميزان القوة المختلّ. ويعني ذلك، أنّ بنداً كهذا سيكون الفيصل بين الوقف التام للحرب الذي يسمح بأفق الاستثمار السياسي إسرائيلياً، وبين صفحة جديدة من الصراع الذي سيطول أمده.

