
أُنجزت، صباح أمس، عملية تبادل للأسرى بين فصائل المقاومة الفلسطينية والعدو الإسرائيلي، تنفيذاً للمرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وذلك بالتزامن مع انعقاد قمّة سياسية في مدينة شرم الشيخ المصرية، خُصّصت لبحث «مستقبل قطاع غزة»، وشارك فيها قادة الولايات المتحدة وقطر ومصر وتركيا، ودول عربية وإسلامية أخرى، وجرى خلالها توقيع «وثيقة» تتصل بالاتفاق بين العدو وحركة «حماس». وشهدت القمّة مشاركة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي كان قد وصل إليها مباشرة من الأراضي المحتلّة، بعد أن ألقى خطاباً في «الكنيست» الإسرائيلي، إلى جانب رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو.
وكان خطابا نتنياهو وترامب أمام «الكنيست»، عبارة عن مضبطة اتهام بحق الرجلين وحكومتيهما، إذ عدّد الثاني، عملياً، جرائم الأول في غزة ولبنان وسوريا واليمن وإيران، واعتبرها «نجاحات عسكرية مبهرة»، فيما شكر الأول، الثاني، على دعمه الكامل، بالسلاح والعتاد وعلى المستوى السياسي. واحتفى الرجلان باكتمال عقد «جولة العنف» التي قادتها إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، على الأقلّ.
ولم يكن أسعد من ترامب وهو يتحدّث عن «قوة الأسلحة الأميركية» وفتكها، وكيف قدّمها هو بسخاء كلّما طلبَها منه نتنياهو، وعن «حُسن» استخدامها من قبل الجيش الإسرائيلي. والمقصود بحُسن الاستخدام هنا طبعاً، هو استخدام أكثر الأسلحة الأميركية فتكاً، في قتل وإبادة أكبر عدد من الفلسطينيين من الرجال والنساء والأطفال.
واعتبر ترامب أن اليوم يمثّل «فجراً تاريخياً» للمنطقة، قائلاً: «نحن نُطبّق السلام بالقوة، ولدينا أسلحة لم يحلم بها أحد، وآمل ألا نضطر إلى استخدامها»، زاعماً أن «السنوات الطويلة من الحروب قد انتهت، وصفارات الإنذار صمتت، والمنطقة تتّجه إلى عصر من التناغم». ورأى ترامب أن «اتفاق غزة» يمهّد لعصر «استثنائي» لإسرائيل والشرق الأوسط، مشيراً إلى «خطة شاملة لنزع سلاح حركة حماس»، مؤكّداً أن إسرائيل «فازت بقوة السلاح»، وأن الدول العربية وافقت على خطة إعادة إعمار غزة، مع تأكيده على التزامه «الشخصي» بالمساهمة في هذا المشروع. وأشاد ترامب بمبعوثه إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، مشبّهاً إياه بالدبلوماسي الأميركي الشهير، هنري كيسنجر، كما أثنى على دور صهره، جاريد كوشنر، في اتفاقيات التطبيع.
غاب نتنياهو عن قمة شرم الشيخ لتجنّب مصافحة عباس
ولفت إلى أن «أربع دول عربية» استمرّت في دعم «اتفاقات أبراهام» رغم الحرب، متمنّياً انضمام المزيد من الدول. وفي مقاربته للملف الإيراني، اعتبر ترامب أن «إيران تعرّضت لضربة قاسية»، مشيراً إلى إمكانية التوصّل إلى «اتفاق سلام» معها، معرباً عن اعتقاده بأن «الإيرانيين تعبوا»، لكنه دعا إلى تركيز الجهود أولاً على «اتفاق مع روسيا».
وفي ما يخصّ لبنان، قال إن إدارته «تدعم بالكامل» الحكومة الجديدة هناك في «نزع سلاح حزب الله»، معتبراً أن «أموراً إيجابية» تحدث في الساحة اللبنانية. وفي ختام خطابه، توجّه إلى الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، بطلب «العفو» عن نتنياهو الذي يواجه محاكمات فساد، واصفاً إياه بأنه «يعرف كيف ينتصر»، وسط تصفيق كثيف من أعضاء «الكنيست».
بدوره، قال نتنياهو إن «خطة ترامب تحقّق أهداف الحرب كافة، وتفتح الباب لتوسيع تاريخي للسلام في منطقتنا»، واصفاً الرئيس الأميركي بـ«أعزّ صديق لإسرائيل جلس في البيت الأبيض»، معتبراً أن «تاريخ شعبنا سيخلّد ما فعله ترامب». وأكّد التزامه بـ«السلام من خلال اتفاقيات أبراهام»، مضيفاً: «ندخل مرحلة جديدة ونأمل أن تكون السنوات المقبلة سنوات سلام داخل إسرائيل وخارجها». وأشار إلى أن الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين أمس يشكّل «يوماً عظيماً» للإسرائيليين، قائلاً: «وعدت بإعادتهم، وها نحن نفي بوعدنا، بفضل الرئيس ترامب».
وفي غضون ذلك، فاجأ نتنياهو الأوساط الإسرائيلية بإعلان عدم مشاركته في قمّة شرم الشيخ، رغم الاستعدادات التي بدأت بالفعل لتجهيز طائرته الحكومية «أجنحة صهيون» للرحلة. وكشفت «القناة 12» الإسرائيلية أن تراجع نتنياهو عن الحضور جاء خشية أن يجبره ترامب على «مصافحة الرئيس الفلسطيني محمود عباس»، الأمر الذي كان سيضعه في مواجهة حلفائه المتطرّفين في الائتلاف الحكومي، ولا سيما الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
وعكس ذلك صعوبة التحدّي الذي يواجهه نتنياهو مع شركائه في حزبي «الصهيونية الدينية» و«قوة يهودية»، بشكل خاص، الذين يرفضون بشدة أي دور للسلطة الفلسطينية في غزة، أو أي حديث عن «حلّ الدولتين». ووفق التقارير الإسرائيلية، فإن مشاركة نتنياهو في قمّة شرم الشيخ، كانت ستُفسّر عملياً على أنها قبول بعودة السلطة إلى القطاع، وهو ما كان سيؤدّي إلى تفجير حكومته من الداخل؛ ولذا، فقد اختار الغياب تجنّباً للأزمة في توقيت حرج عليه أصلاً.

