«جيل زي» في مواجهة الدولة: من «ديسكورد» إلى الشارع
يُفجّر «جيل زي» المغربي غضباً رقمياً تحوّل إلى حراك ميداني واسع، يعيد السياسة إلى الشارع ويكسر احتكار الدولة والوساطة الحزبية للفعل الجماعي.


عادت الاحتجاجات إلى مختلف مدن المغرب، الكبرى والمتوسطة، وحتى الهوامش، في الـ28 من أيلول/ سبتمبر الماضي، للمطالبة بإصلاح قطاعَي الصحة والتعليم، وإسقاط الفساد ومحاسبة المسؤولين. وكان ميلاد الاحتجاجات الشبابية رقميّاً بامتياز، إذ وقبل أن تخرج إلى الساحات العامّة، فهي قضت مرحلتها الجنينية في منصّة «ديسكورد»، حيث حقّقت انتشاراً واسعاً عبر وسم «GenZ212»، علماً أن 212 هو رمز الاتصالات الدولية للمغرب.
وُلد حَراك «جيل زي»، إذاً، من رحم الشبكات، وانتقل من النشاط الرقمي إلى الميادين والساحات، حيث أفرزت الاحتجاجات الشبابية أنماطاً مُستحدثة حيال كيفية ممارسة التحرّك الميداني، بقيادة شباب مثقّف رقميّاً، تمرّد على النماذج السياسية الحالية، واتّخذ من الفضاءات الرقمية قناةً لتبادل وجهات النظر المختلفة حول السياسة والشأن العام. ولأن «جيل زي» رقميّ بامتياز، ويُعدّ الأكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا، فمن الطبيعي أن يولّد موجة جديدة من الاحتجاجات الشبكية، تعيد تعريف أشكال التعبئة والمشاركة السياسية والفعل الجماعي.
موجة جديدة من الاحتجاجات الشبكية
ساهمت التحوّلات على مستوى التواصل، والتي رافقت ظهور مجتمع الشبكات، في بروز نمط جديد من الأفعال الجماعية تَمثَّل في ما سمّاه مانويل كاستلز «الحركات الاجتماعية الشبكية»؛ وهي حركات أنشأت حيّزها الخاص بواسطة احتلال الميادين والشوارع المحلية، وحيّزها العام من خلال التواصل والتفاعل مع الحركات الاحتجاجية في أنحاء متفرّقة من العالم، وذلك بفضل الارتباط بشبكات الإنترنت. وتعتمد الاحتجاجات الشبكية على الأدوات الرقمية التي تتيحها المنصات التواصلية، كالحملات الإلكترونية، وحملات الوسوم، التي أصبحت تلعب دوراً رئيسياً في نشر الوعي والمعلومات حول القضايا الأساسية للحركات الاحتجاجية.
ففي سياق الوسائط الرقمية، يُشكل «الهاشتاغ» أداة تأطير، ما يسمح للجماهير ببناء سرد تعاوني، وبالتالي تقديم وسيلة لتنظيم النقاشات وتعزيز المشاركة الطويلة الأمد. فعبر «نشاط النقر/ Clicktivism»، يتمّ دعم قضيّة ما، التعبير عن الرفض، الدعوة إلى الاحتجاج، وذلك بواسطة نقرة على لوحة الهاتف أو الكمبيوتر، وهو ما لم تستطع تحقيقه المنظّمات والأحزاب السياسية والنقابات العمالية عبر نشاطها التقليدي.
هكذا، يوسّع النشاط الرقمي نطاقَ الحركات الاحتجاجية؛ فبدل أن تكون الاحتجاجات صغيرة ومحلية، تنتشر بسرعة إلى أماكن أخرى، ويمكنها، أحياناً، أن تحقّق أبعاداً إقليمية أو حتى عالمية. وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح النشاط الرقمي الاحتجاجي، اليوم، واسع النطاق ومؤثّراً وفوريّاً، وبات في إمكان أيّ حدث احتجاجي في أيّ جزء من العالم أن ينتشر بسرعة إلى أيّ جزء آخر، وهو ما حدث بالضبط مع موجة احتجاجات «جيل زي» التي اجتاحت نيبال، مدغشقر، كينيا وبيرو، ووصلت إلى المغرب.
وتشكّل هذه الاحتجاجات مرحلة جديدة ومتقدّمة من الاحتجاج الشبكي، تتميّز عن المراحل السابقة، كون «جيل زي» استفاد من التحدّيات التي واجهت التجارب السابقة في التنظيم والاحتجاج، وابتدع لنفسه ثقافة احتجاجية جديدة، أكثر مرونة وتعددية وتفاعلية، تقوم على نظرة مختلفة لأنماط ممارسة الفعل الجماعي والسياسي، وذلك من خلال الربط بين الوجود الرقمي والتشبيك في الفضاءات التواصلية والتواجد الفعلي في الفضاء العام.
تفجير الاحتقان الجماعي
عرف المغرب، بعد حَراك الريف (2016)، مناخاً عاماً من التوجّس والخوف والحذر السياسي، وذلك نتيجة حملة الاعتقالات الواسعة، والأحكام الثقيلة التي طاولت نشطاء الحراك وقادته؛ إذ أصبح التعبير عن الآراء والمواقف السياسية، حتى بواسطة تدوينة على «فايسبوك»، فعلاً جريئاً محفوفاً بالمخاطر، قد يجُرّ صاحبه إلى الاستدعاء والتحقيق.
على أن هذا الحذر خيّم على النشطاء والفاعلين المدنيين، والأساتذة والصحافيين، فتراجعت بشكل كبير المبادرات الاحتجاجية الجماعية في الشارع، وسادت في المقابل الرقابة الذاتية، على القول والكتابة والممارسة. وأفرزت مرحلة ما بعد «حَراك الريف»، جوّاً عامّاً من الخوف والتوجّس والإسكات، عملت فيه الدولة على ضبط الخطاب العام وتوجيهه. لكن في المقابل كان الإحساس الجماعي بالاحتقان يكبُر شيئاً فشيئاً، ويغذّي الشعور اليومي بالقهر واللاعدالة واللامساواة.
خرج «جيل زي» للتعبير عن سنوات السخط الجماعي تجاه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وفجّر الأزمات المسكوت عنها، وأخرجها من رحم التداول الرقمي إلى الشارع، فيما نجح الشباب المُحتجّ في كسر جدار الخوف، أولاً، داخل الفضاء الرقمي، الذي سيطرت عليه الرقابة الذاتية.
أعاد «جيل زي» إنتاج الفضاء الرقمي، مرّة أخرى، كأداة مقاومة، وأَحْيَا فيه من جديد زخم النقاشات
الاعتقال على المباشر
مع بدء احتجاجات «جيل زي»، تزايدت مشاهد «الاعتقال على المباشر»، للنشطاء والشباب، وشمل ذلك حتى مَن كانوا يمرّون صدفة من أمام التجمّعات، ليصبح الوجود في الفضاء العام، شُبهة من شأنها أن تُعرّض صاحبها للمُساءلة والتعنيف والاعتقال.
في الفضاء الرقمي، تتحوّل مشاهد الاعتقال على المباشر، إلى أدوات تأجيج وتعبئة، تغذّي مشاعر الغضب والتمرّد، وتقوّي العزم على الاحتجاج، كما تشجّع مَن لم يسبق لهم التظاهر، للنزول إلى الشارع والمشاركة في الأشكال الاحتجاجية؛ ذلك أن الرقميّ يوفّر فرصاً لتعزيز المشاركة المدنية وتمكين الأفراد الذين يمتلكون اتصالاً بالإنترنت بالتأثير في علاقات القوّة بشكل عام. وهكذا، شكّلت المنصّات الرقمية للشباب المحتجّ، آلية لممارسة السلطة المضادة، وقناة للوساطة، في الوقت الذي رفض فيه وساطة الأحزاب و«الدكاكين السياسية».
الشعارات المطلبية كمساحة للمقاومة
لعلّ نَفَسَ الحرّية والتعددية الذي يميّز حَراك «جيل زي» ينعكس أيضاً على مستوى الشعارات التي يحملها هؤلاء؛ إذ يكسر هذا الجيل قاعدة الالتزام بالشعارات الموحّدة، ويترك مساحة لكلّ فرد ليعبّر عن مطالبه، تجربته، ويُبدع في صوغ شعاراته. وهكذا، تتحوّل الشعارات الاحتجاجية مع «جيل زي»، من مجرّد مطالب جامعة ومحدّدة، إلى مجال مفتوح للمقاومة، السخرية، والرفض، وهو ما يجعل الخطاب الاحتجاجي متنوّعاً ومتعدّد الأصوات.
ونجح «جيل زي» في تحقيق ما يمكن تسميته «ديمقرطة الاحتجاج»، حيث يصبح الفعل الجماعي محرّراً من الأطر الأيديولوجية التقليدية، منفلتاً من قبضة الأحزاب والوساطات، بعيداً من الأجندات والحسابات السياسية الكبرى، قريباً من هموم الشباب، أحلامهم، وسرديتهم الخاصة. ويصبح، بهذا المعنى، كل فرد بمثابة تجربة احتجاج بامتياز.
من جيل «فايسبوك» إلى جيل «ديسكورد»
شكّلت المنصّات الرقمية البنية المادية التي ترتكز عليها الأفعال الاحتجاجية لـ«جيل زي»، وخاصة منصّة «ديسكورد»، وهي عبارة عن تطبيق ومنصّة للألعاب، تُتيح إمكانية التواصل النصّي والصوتي، وتُوفّر أيضاً مساحات للنقاش والتداول والمشاركة. ويستخدم النشطاء هذه المنصّة من أجل تبادل الأفكار والتنسيق والحشد للأفعال الاحتجاجية الميدانية.
والجيل الاحتجاجي هنا، رقمي، مُختلف عن جيل «الربيع العربي»، الذي اعتمد بشكل كبير على «فايسبوك» و«تويتر» (إكس) في التعبئة والتنظيم؛ إذ قرّر «جيل زي» الابتعاد عن المنصّات الرقمية المفتوحة والواسعة، التي تمكّنت الدولة من بسط رقابتها عليها، واتّجه نحو منصة رقمية مغلقة أكثر وتوفّر خصوصية أكبر. هذه النقلة تعكس خصوصية الاحتجاج الرقمي لهذه الحركة، التي تنتقل من الفضاء الرقمي العام والمفتوح إلى المنصّات ذات الولوج المحدود، كمنصة «ديسكورد».
ولعلّ هذا التحوّل في الفضاء الاحتجاجي الرقمي يُبرز وعي «جيل زي» بالهيمنة التي أصبحت تمارسها السلطات على الشبكات التواصلية، ويرصد في المقابل تحايله عليها بالانتظام داخل فضاءات أكثر خصوصية. ففي الوقت الذي اعتقدت فيه الدولة أنها نجحت في ضبط وسائل التواصل الاجتماعي والتحكّم في خطابها العام، خرج جيل جديد من الشباب المحتجّ من رحم منصّة أخرى، شكّلت قناةً لتصريف غضبه وسخطه الاجتماعي.
قيادة جماعية للحراك
جاءت احتجاجات «جيل زي» بعيدة من فكرة القائد أو الزعيم، الذي يتولّى مَهمّة توجيه الجماهير وتأطيرها. فالأفعال الجماعية للحركة، تتم من دون قيادة رسمية، أو هياكل تنظيمية، فيما يتم اتّخاذ القرارات بشكل جماعي تشاوري داخل المنصات الرقمية، التي تُعتبر مجالاً للنقاش والتداول حول المطالب الاجتماعية، وأماكن ومواعيد تنظيم الاحتجاجات.
وهذا التحوّل في فكرة «القائد»، يعكس استفادة شباب الحركة من التجارب الاحتجاجية السابقة، ولا سيما «حراك الريف»، الذي اقترن بقائده ناصر الزفزافي؛ إذ تميزت احتجاجات الريف المغربي بالخطابات التي كان يُلقيها هذا الأخير في التظاهرات، والفيديوهات التي كان يبثّها عبر خاصية «فايسبوك لايف»، مُوجّهاً من خلالها نقداً للحكومة والمسؤولين. وبعد أيام من اندلاع الاحتجاجات، اعتقلت السلطات المغربية، الزفزافي وحُكم عليه بالسجن 20 عاماً.
ولعلّ هذه الأحكام القاسية على الزفزافي وبقيّة النشطاء، جعلت المغرب يعيش انتكاسة حقوقية لسنوات، تراجعت على إثرها حرية التعبير، وثقافة الاحتجاج في الشارع. ويمكن القول إن «جيل زي» اعتمد على القيادة الجماعية للاحتجاجات، بدلاً من «شخصنة الحراك»، لإضفاء طابع تعدّدي وديمقراطي على الأفعال الجماعية من جهة، ولحماية المُنتسبين إليه في نفس الوقت من التُّهم الثقيلة التي قد تطاولهم، لمجرّد أنهم قدّموا أنفسهم كممثّلين للمحتجّين.
تكشف احتجاجات «جيل زي» في المغرب، عن تحوّل في أشكال وأنماط ممارسة الفعل الجماعي؛ إذ تبدو ممارسات احتجاجية أكثر إبداعاً وتعددية، يقودها جيل رقمي بامتياز، يمتلك مهارات التعامل مع الشبكة، وثقافة خاصة في التظاهر والاحتجاج. وأعاد الشباب المُحتجّ تعريف السياسة، عبر تحريرها من قبضة الدولة ومؤسساتها، ووضعها في أيدي الأفراد العاديين، الذين يملؤون الشوارع اليوم، في المُدن الكُبرى والهوامش. كما أعاد «جيل زي» للميادين والساحات رمزيتها الاحتجاجية، وصورتها المتمرّدة، ومعناها المقاوم.
