بعد «سنوات عجاف» في السجون... الأسرى الفلسطينيون يُبعثون من «مقبرة الأحياء»
في ذات الجموع التي كان يملأ قلبها الفرح والسعادة بعودة أبنائها الأسرى، كانت جموع أخرى تتلهف لسماع أي خبر عمّن فقدت آثارهم أثناء الحرب، فيما يسأل بعضهم عن صحة أبنائه المعتقلين الذين كانوا يأملون خروجهم في هذه الصفقة.


صباح الإثنين، امتلأت ساحة ومحيط مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، بحشود المواطنين الذين حضروا لاستقبال أبنائهم الأسرى الذين أُفرج عنهم بموجب اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» والاحتلال الإسرائيلي، وسط أجواء من التهليل والتكبير امتزجت فيها مشاعر الحزن بالفرح في آن واحد.
ورغم الازدحام البشري الكبير، تمكنت الأجهزة الأمنية الفلسطينية بعد محاولات حثيثة من إدخال ما يقرب من 38 حافلة بداخلها 1700 أسير، سبق وأن اعتقلهم جنود الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة خلال حرب الإبادة الجماعية التي استمرت سنتين متواصلتين.
فرحة مغمسة بالفقد
ما إن نزل الأسير المحرر مازن التتر من الحافلة التي أقلته من سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى مستشفى ناصر الحكومي بقطاع غزة، راحت شقيقته تنادي عليه للتأكد من شخصه الذي غيرته سنوات السجن.
-
حتضن الجميع أحباءهم في مشاهد عاطفية جسّدت الفرح الكبير (أ ف ب)
توضح شقيقة المحرر التتر، في حديث إلى «الأخبار»، أنه «عندما التفت إليّ ورد على مناداتي لم أصدق نفسي واحتضنته وحمدت الله على عودته سالماً معافى وبصحة جيدة».
ويقول الأسير المحرر التتر «الحمدلله الذي منّ علي بأن أخرجني من السجن بعد اعتقال دام ما يقرب من السنتين»، مؤكداً في حديثه إلى «الأخبار»، أنها كانت «سنوات عجافاً» لاقى فيها صنوف عذاب أدت إلى فقدانه 20 كيلوغراماً من وزنه، بالإضافة إلى إصابته بمرض الأسكابيوس الجلدي «والذي كان يسيّل الدماء من أجسادنا، فيما كان بعض الأسرى يبكون من شدة الألم الذي حرمنا علاجه لأشهر طويلة».
فرحة التتر بالحرية لم تدم طويلاً، حيث سُلبت منه لحظة علمه باستشهاد أخويه أحمد ومجدي وعمه وعدد من أبناء عائلته، قائلاً وعيونه تذرف الدموع «كسر ظهري بهذا الخبر خصوصاً أن أخي مجدي من ذوي الاحتياجات الخاصة ولا علاقة له بأي عمل عسكري أو سياسي».
لن ننسى ولن نغفر
امتزجت الدموع بالزغاريد، واحتضن الجميع أحباءهم في مشاهد عاطفية جسّدت الفرح الكبير، فبعد عناق حار لوالديه وزوجته وأطفاله الذين بقي أحدهم متشبثاً بوالده، وصف الأسير المحرر عبد المعز دحلان، الذي قضى سنة وتسعة أشهر متنقلاً بين سجون عدة، خروجه من السجن بأنه «خروج من مقبرة الأحياء».
يكمل دحلان حديثه لـ«الأخبار» قائلاً «سوف نروي لكم الحكاية من البداية إلى النهاية والتي كانت مليئة بالعذابات المختلفة، بدءاً من الإذلال المهين للكرامة الإنسانية مروراً بالضرب والتنكيل والتجويع والتعطيش وليس انتهاءً بالإهمال الطبي»، مؤكداً أنه «لن ننسى ولن نغفر ولن نسامح».
أم محمود جواهر عبّرت عن فرحتها بعودة زوجها محمد جواهر الذي قضى ما يزيد على العام في سجون «الظلم والطغيان»، قائلة «عاد لي سندي ورفيق دربي بعد غياب طويل كانت تمر فيه الأيام كأنها جبال ثقال، توقفت فيها عقارب الساعة عن الدوران، وكانت كأنها الدهر من شدة ما لاقيناه في هذه الحرب دون معين أو سند».
وتؤكد جواهر لـ«الأخبار» أنها كانت على أمل كبير بأن يتم الإفراج عن زوجها «وهو ما كان بفضل الله».
-
تمكنت الأجهزة الأمنية الفلسطينية من إدخال 38 حافلة بداخلها 1700 أسير (أ ف ب)
في ذات الجموع التي كان يملأ قلبها الفرح والسعادة بعودة أبنائها الأسرى، كانت جموع أخرى تتلهف لسماع أي خبر عمّن فقدت آثارهم أثناء الحرب، فيما يسأل بعضهم عن صحة أبنائه المعتقلين الذين كانوا يأملون خروجهم في هذه الصفقة.
ويقول شريف سمور لـ«الأخبار» إنه ورغم الحسرة التي أصابته عندما علم أنه لن يتم الإفراج عن أي من أخويه، إلا أن اطمئنانه على صحتهما والتعرف إلى أخبارهما من بعض الأسرى المفرج عنهم «خففا عنه شيئاً من ذلك الإحباط وكسرة القلب».
وبعد لقاء حار من ذويه وعائلته، وفيما بدا الأسير المحرر دياب خليل في حالة صحية ونفسية صعبة جداً، جرّاء الاعتداءات الإسرائيلية التي تعرّض لها، وظروف الاحتجاز غير الإنسانية، أوضحت زوجته أن أخباراً نُقلت عنه وهو داخل السجن بأنه تم إعطاؤه أدوية علاجية لا تناسب صحته ما أدى إلى إصابته بمضاعفات أثرت على حالته الصحية وزادتها سوءاً.
أما والدة خليل، فقد عايشت مشاعر مختلطة، عبرت عنها لـ«الأخبار» بقولها «تغمر قلبي مشاعر فرح لعودة ابني إلى حضني بعد غياب دام سنة ونصف سنة، وفي الوقت ذاته، قلبي ينفطر على حالته الصحية التي خرج بها بعدما دخل السجن يمشي على رجليه، خرج يتكئ على غيره».
وتضيف أن «أولادنا عانوا من تنكيل مستمرّ طوال فترة احتجازهم، فيما غابت الرعاية الصحية اللازمة، الأمر الذي أدّى إلى تدهور صحتهم. كذلك فقد كثيرون من هؤلاء الأسرى كيلوغرامات عدة من أوزانهم بسبب حرمانهم من الطعام الكافي في فترة اعتقالهم».
وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد نقلت عدداً من الأسرى الذين أُفرج عنهم إلى مباني مجمّع ناصر الطبي، وذلك لفقدانهم أطرافهم داخل سجون الاحتلال، فيما عجز آخرون عن الوقوف على أقدامهم نتيجة للتنكيل والتعذيب اللذين تعرضوا لهما خلال شهور السجن الصعبة.
