
غزة | في مقابل تسليم المقاومة جثامين 11 أسيراً إسرائيليّاً، سلّمت سلطات الاحتلال، عبر منظمة «الصليب الأحمر الدولي»، جثامين 120 شهيداً فلسطينياً مجهولي الهوّية، في خطوة فتحت ملف المفقودين الذي ظلّ متوارياً لمصلحة ملفات أخرى في أثناء سنتَي الإبادة. وقال مكتب الإعلام الحكومي في غزة، إنه استكمل استلام جثامين الشهداء على ثلاث دفعات متتالية (45 جثماناً الثلاثاء، و45 الأربعاء، و30 جثماناً الخميس)، موضحاً أنّ من بين الجثامين، العشرات من الشهداء مجهولي الهوّية الذين لم يتمّ التعرّف إليهم.
وكانت نقلت شاحنات «الصليب الأحمر» العشرات من جثامين الشهداء المعبّأة بالأكياس البيضاء، إلى مستشفى «ناصر» في مدينة خانيونس، لكنّ الأهالي لم يستطيعوا التعرّف إلّا إلى عدد قليل من أبنائهم، بعدما اختفت ملامحهم وطُمست تماماً. ومع ذلك، أصرّ المئات من ذوي المفقودين والشهداء، على الشروع في مهمّة قاسية، هي التفرّس في ملامح كل جثمان وملابس صاحبه، في محاولة للتعرّف إليه.
«من الصبح وأنا بين الجثامين المتحلّلة أو المشوّهة والمجمّدة»، تقول أم محمد وهي والدة أحد المفقودين، مضيفة في حديثها إلى «الأخبار»: «في اجتياح جباليا الثالث، فقدت ابني الأكبر محمد، ولم نجد جثمانه، ولم نعثر على أيّ معلومة عن وجوده في سجون الاحتلال. الآن أبحث عن جثمانه بين الجثامين، ممكن أتعرّف عليه من ملابسه أو شعره أو أظافر إيديه، لو كان جثمانه موجوداً رح أشعر بإنه هوّا حتى لو ملامحه مشوّهة».
«أن تعيش شعور الفقد وحيرة المصير، يجعلك تتمنّى أن تحصل على طرف معلومة، تحسم عندك الموقف»
والواقع أنّ حال عشرات الجثامين تبدو مثيرة للرعب؛ فهي تحمل أيادي مكبّلة وأعيناً معصوبة، وآثار تعذيب وتنكيل، أو آثار حبال واضحة على الأعناق وإطلاق نار مباشر من مسافة قريبة، ما يشير إلى أنّ عدداً كبيراً من الشهداء جرى تعذيبهم مطوّلاً قبل أن يعدموا ميدانياً. وقال المكتب الإعلامي الحكومي، في بيان، إنه «وثّق أيادي وأقداماً مربوطة بمرابط بلاستيكية وملامح وجوه تفيد بأنّ الشهداء تعرّضوا إلى الاعتقال قبل إعدامهم، كما أنّ هناك جثامين سُحقت تماماً تحت جنازير الدبّابات، فضلاً عن جثامين أخرى تتبدّى على جلودها آثار حروق وجروح غائرة». وإلى جانب ذلك، تظهر معاينة عشرات الجثامين عمليات سرقة أعضاء، إذ لفت مدير في وزارة الصحة في غزة، إلى أنّ عدداً من جثامين الشهداء وجدت عليهم آثار تشريح بطون وحشو بالقطن.
وأمام المشاهد القاسية ورائحة الجثامين المتحلّلة، اضطرّت وزارة الصحة إلى التخفيف من وطأة الموقف، وسارعت إلى تصوير جثامين الشهداء وما فيها من علامات مميزة، من مثل الملابس والشعر وملامح الوجه، وعرضها عبر شاشة كبيرة في داخل قاعة مخصّصة لاستقبال ذوي المفقودين.
ويقول والد المفقود محمد صباح: «أمضيت ثلاثة أيام وسط الجثامين، أتفحّص كل جثّة على حدى، أن تعيش شعور الفقد وحيرة المصير، يجعلك تتمنّى أن تحصل على طرف معلومة، تحسم عندك الموقف إنْ كان حيّاً أو شهيداً. طفنا على عدد من الأسرى المحرّرين محاولين الوصول إلى معلومة عن محمد»، لكن من دون جدوى إلى الآن.

