خلاف متفاقم حول «القوة الدولية» | الثُّلاثي الأميركي: التهديد «حلاً» وحيداً

على الرغم من تمسّك الولايات المتحدة بنزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، فإن عدم تحديد جدول زمني لتحقيق هذا الهدف يمنح مسار المفاوضات الجارية هامشاً أوسع للمناورة، وذلك في ظل سعي أطراف إقليمية ودولية لإرساء ترتيبات تواكب المرحلة الثانية من الاتفاق. وتراهن القاهرة، مثلاً، على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، بما يتيح «حلحلة» العقبات الأساسية، وفي مقدّمها مسألة سلاح حركة «حماس»، بينما تشترط الحكومة المصرية للمشاركة في أي «قوة دولية» في غزة، وجود «توافق دولي» عليها، ومهمات وصلاحيات واضحة، مع رفضها المطلق وجود قوات إسرائيلية إلى جانب تلك القوة في أي موقع داخل القطاع.
وبحسب مصدر مصري تحدّث إلى «الأخبار»، فإن «القاهرة ترفض تماماً الانخراط في قوة دولية يكون هدفها تدمير بنية المقاومة الفلسطينية أو الاشتباك معها نيابةً عن الاحتلال، وتتمسّك بعدم المساس بنفسها بما تبقّى من البنية التحتية للفصائل». وفي السياق نفسه، أشار المصدر إلى أن بعض الدول الإسلامية مثل إندونيسيا وتركيا أبدت استعدادها للمشاركة في القوة المُزمع تشكيلها، «بشرط وجود ضمانات واضحة وتفادي أي احتكاك مع القوات الإسرائيلية». غير أن الاعتراضات الإسرائيلية لم تتأخّر، إذ سجّلت الاتصالات الأخيرة بين تل أبيب وعدة أطراف، جملة من التحفّظات الإسرائيلية على شكل القوة ومهامها وصلاحياتها وخريطة انتشارها داخل القطاع.
وفي هذا الوقت، تواصلت زيارة المبعوثَين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، إلى إسرائيل، والتي نقل موقع «واينت» عن مسؤولين مطّلعين أنها قد تؤدّي إلى «تحقيق تقدّم كبير في ملف البحث عن جثث الجنود الإسرائيليين في غزة». ووفق الموقع، فإن «القوة الدولية ستُكلَّف بمهمة البحث عن الجثث وانتشالها، بما فيها تلك التي تزعم حماس أنها لا تستطيع الوصول إليها». ونقلت «القناة 12» العبرية، بدورها، عن مسؤول أميركي قوله إن «الشهر المقبل سيكون مفصلياً في ما يخصّ اتفاق غزة»، وتشديده على «ضرورة الإسراع في تشكيل القوة الدولية التي يُفترض أن تحلّ محلّ الجيش الإسرائيلي في القطاع».
وجاء ذلك فيما صعّد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من لهجته إزاء حركة «حماس»، مشيراً في منشور على منصة «تروث سوشال»، إلى أنّ عدداً من حلفاء الولايات المتحدة أبدوا استعدادهم للذهاب إلى غزة لـ«القضاء على حماس بقوة كبيرة»، لكنّه استدرك قائلاً، إنه لا يرى ضرورة لذلك في الوقت الراهن، مضيفاً: «قلت لهذه الدول، وإسرائيل: ليس بعد! لا يزال هناك أمل في أن تفعل حماس الصواب، وإن لم تفعل فستكون نهايتها سريعة وقاسية!».
وعلى وقع هذه التطورات، عُقد، أمس، لقاء رفيع المستوى جمع رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في تل أبيب، في أرفع لقاء مُعلَن بين الجانبين منذ انطلاق عملية «طوفان الأقصى» قبل نحو عامين. وبحسب مصادر مصرية، فإن «اللقاء جاء في ظل ضغوط أميركية على الأطراف المعنية، ولا سيما القاهرة، لتعزيز التنسيق مع تل أبيب بشأن المرحلة الثانية من الاتفاق».
تبرز خلافات حول شكل ومهام وصلاحيات «القوة الدولية» المُزمع تشكيلها
وفي هذا الإطار، كشف مصدر مصري مطّلع، لـ«الأخبار»، أن المباحثات تمحورت حول «ضرورة تسريع إدخال المساعدات الإنسانية والمعدّات الهندسية الثقيلة إلى غزة للمساعدة في عمليات انتشال جثث الأسرى الإسرائيليين»، مشيراً إلى أنّ «رشاد أكّد خلال لقائه بنتنياهو التزام حماس بالاتفاق، وجديّتها في تنفيذ بنوده». كما تخلّل اللقاء نقاش حول ملفات عدّة مرتبطة بخطة ترامب، كإدارة القطاع والمعابر والقوة الدولية.
مع ذلك، تحدّثت «هيئة البث الإسرائيلية» عن بروز خلافات جوهرية بين واشنطن وتل أبيب والقاهرة خلال اجتماعات أمس، إذ تسعى مصر إلى إدخال قوات أجنبية إلى غزة «في الأيام القريبة»، لاستكمال البحث عن جثث الأسرى الإسرائيليين، بينما تعتقد إسرائيل أن «حماس» تستطيع إعادة الجثث من دون الحاجة إلى مساعدة خارجية، متّهمة الحركة بـ«محاولة كسب الوقت». كما شدّدت تل أبيب على ضرورة استعادة جميع الجثث قبل المضي في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب.
كذلك، نقلت «واشنطن بوست» عن مصدر مطّلع أن «ويتكوف أبلغ نتنياهو بأن الثلاثين يوماً المقبلة ستكون حاسمة لدخول اتفاق غزة مرحلته الثانية»، فيما كشف موقع «أكسيوس» أن «وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، يعتزم زيارة إسرائيل هذا الأسبوع». ويُذكر أن دي فانس انضمّ، أمس، إلى ويتكوف وكوشنر في زيارتهما إلى إسرائيل لمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، على أن يصل روبيو لاحقاً لمواصلة المحادثات. وبحسب «وول ستريت جورنال»، فإن الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً شديدة على كل من إسرائيل و«حماس» لمنع أي تصعيد قد يؤدّي إلى انهيار اتفاق غزة، إذ أكّد كل من ويتكوف وكوشنر لمسؤولي الاحتلال ضرورة أن تكون ردود إسرائيل «متناسبة» على أي انتهاك.
وفي مؤتمر صحافي عقده الثلاثي الأميركي، دي فانس وويتكوف وكوشنر، في «مركز التنسيق المدني العسكري» في جنوب فلسطين المحتلة، قال فانس إن تنفيذ خطة ترامب «يسير أفضل مما توقّعنا»، مضيفاً أن «الولايات المتحدة افتتحت مركزاً للتنسيق لإعادة إعمار القطاع»، معتبراً أن «إعادة جثث الأسرى قد تستغرق وقتاً طويلاً». وأوضح دي فانس أن «واشنطن لا تنوي نشر قوات أميركية في غزة»، مشدّداً على أن أي قوة أمنية ستُشكّل هناك «لن تضمّ أميركيين»، بل يجب أن يتمّ التوافق عليها مع إسرائيل.
وكرّر فانس تهديدات ترامب لـ«حماس»، قائلاً: «إن لم تتخلّ الحركة عن السلاح فستحدث أمور سيئة جداً»، لكنّه أقرّ بعدم وجود مهلة محدّدة لتسليم السلاح. ومن جهته، لوّح كوشنر بأن بلاده لن تسمح بإدخال أموال إعادة الإعمار إلى المناطق التي لا تزال تحت سيطرة «حماس»، مشيراً إلى «التقدّم المُحرز في استعادة جثث الجنود الإسرائيليين»، واصفاً ما يجري بأنه «انتقال إلى وضع الهدنة»، فيما اعتبر ويتكوف أن واشنطن «تجاوزت ما كانت تتوقّعه» على صعيد تنفيذ وقف إطلاق النار.
وفي المقابل، شدّد رئيس حركة «حماس» في قطاع غزة، ورئيس وفدها المفاوض، خليل الحية، على التزام الحركة بالاتفاق، مؤكّداً أن «الحرب انتهت»، بحسب ما ضمنه الوسطاء والأميركيون. وأشار إلى أن «حماس» تبذل جهوداً كبيرة لاستخراج جثث الأسرى رغم الصعوبات، آملاً في زيادة حجم المساعدات الإنسانية المُقدّمة إلى القطاع، بما يتلاءم مع احتياجات السكان.
خشية إسرائيلية من نفوذ «حمساوي» ضمني
ذكرت «هيئة البث الإسرائيلية» أن «حماس» تشارك بشكل «سرّي» في تشكيل حكومة التكنوقراط المُرتقبة لإدارة قطاع غزة، لكنها تفعل ذلك بعلم الوسطاء العرب، وعلى رأسهم مصر. وأشارت إلى أن الحركة أدرجت نصف أسماء الحكومة، فيما اختارت السلطة الفلسطينية النصف الآخر بالتنسيق معها، في ما وُصف إسرائيلياً بأنه «نفوذ عبر الباب الخلفي» ستحتفظ به «حماس» في مرحلة ما بعد الحرب.

