السياسة تظلّل «التصويت الخاص» صراع على ولاءات العسكريين
شكل تصويت العسكريين أمس، دليلاً جديداً على احتدام الصراع بين محمد شياع السوداني ونوري المالكي، فيما تضاعفت الشكاوى من ضغوط سياسية تُقوّض حياد الانتخابات في العراق.


بغداد | في اليوم الأول للانتخابات التشريعية في العراق، والخاص بتصويت العسكريين، بدا واضحاً احتدام التنافس بين القوى والشخصيات السياسية على كسب ولاء الأجهزة الأمنية و«الحشد الشعبي»، إلى حدّ دفع البعض إلى القول إن التصويت الخاص بالمؤسسة العسكرية تحوّل إلى حلبة جديدة لتصفية الحسابات، ومرآة للصراع على النفوذ. ومنذ صباح أمس، فتحت «المفوّضية العليا للانتخابات» صناديقها أمام نحو مليونٍ وثلاثمئة ألف ناخب من منتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية و«الحشد الشعبي»، بالإضافة إلى نحو 26 ألف نازح ومئات السجناء - الذين أُدرجوا ضمن عملية التصويت -، وذلك بعدما وزّعت المفوّضية الصناديق على 809 مراكز اقتراع، تضمّ أكثر من 4 آلاف و500 محطة. على أن الحضور الضعيف في بعض المراكز، وما رافقه من ضغوط سياسية ومخالفات، كل ذلك جعل من هذا الاستحقاق مُحاطاً، إلى حدّ كبير، بالجدل والاتهامات.
وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لضباط ومنتسبين عبّروا عن تضامنهم مع دعوة زعيم «التيار الوطني الشيعي»، مقتدى الصدر، إلى مقاطعة الانتخابات، وذلك تحت شعار أن «الجيش لن يكون مع الفاسدين». وعلى الرغم من محاولة تصوير تلك التحركات على أنها «عفوية»، فقد أثارت قلقاً داخل الأوساط السياسية، خصوصاً لدى الأحزاب التي تعتمد في قوتها الانتخابية على «الخاصين»، فيما أكّد مصدر أمني، لـ«الأخبار»، أن نسبة المشاركة كانت محدودة في عدد من المحافظات، مشيراً إلى «ضغوط وتهديدات طاولت بعض عناصر (الحشد الشعبي)، لإجبارهم على المشاركة أو توجيه أصواتهم».
في المقابل، حاولت الحكومة التقليل من شأن تلك المعطيات؛ إذ قال الناطق باسم وزارة الداخلية، عباس البهادلي، إن «القوات الأمنية أدّت واجبها بمهنية كاملة، ووقفت على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية»، مضيفاً أن «التصويت الخاص جرى بانسيابية، ومن دون أي خروق أمنية تُذكر». بيد أن الصراع المُعلن بين رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، بدا واضحاً حول من يحظى بولاء الكتل العسكرية والأمنية. فالسوداني، الذي يسعى إلى تثبيت حضوره عبر تبنّي خطاب «دولة القانون والمؤسسات»، يجد نفسه في مواجهة شبكة متجذّرة من الولاءات داخل الأجهزة الأمنية و«الحشد»، استطاع المالكي تكوينها في ولايتيْه السابقتين، ويحاول، حالياً، استثمارها في صناديق التصويت الخاص، فيما يشتغل رئيس الحكومة على تصدير صورة مما يقول إنه الحياد المؤسسي، على الرغم من الاتهامات الموجّهة إلى تلك الأجهزة بأنها باتت خاضعة لمعادلات حزبية أكثر من كونها محكومة بـ«الانضباط العسكري».
ووفقاً لتقرير «تحالف شبكات مراقبة الانتخابات»، فقد سُجّلت 3 آلاف و747 مخالفة حتى منتصف نهار التصويت، راوحت بين انتهاك سرّية الاقتراع وتصوير بطاقات التصويت بالهاتف، وصولاً إلى وجود أشخاص غير مُصرّح لهم داخل المحطات واستبعاد مراقبين سياسيين. أمّا في بغداد والأنبار، فألقت القوات الأمنية القبض على أشخاص تورّطوا في شراء بطاقات ناخبين أو الترويج لمرشحين قرب مراكز الاقتراع.
لم تقتصر عمليات التحشيد على الدعاية، بل شملت تهديدات مُبطّنة لمن لا يصوّت وفق «التعليمات»
وفي ديالى، يقول مصدر أمني، في حديث إلى «الأخبار»، إن «هناك ضغوطاً مباشرة تُمارس على بعض المنتسبين داخل الأجهزة الأمنية و(الحشد الشعبي) من قبل جهات سياسية تسعى لتوجيه أصواتهم نحو مرشحين محدّدين»، مضيفاً أن «عمليات التحشيد لم تقتصر على الدعاية، بل شملت تهديدات مبطّنة بنقل المنتسبين أو حرمانهم من الامتيازات في حال عدم التصويت وفق التعليمات».
وبالنسبة إلى العديد من المراقبين، لم تشكّل المخالفات المُشار إليها، مفاجأة فعلية، إذ يؤكد الخبير الأمني علي الكعبي، أنّ «الضغوط السياسية على منتسبي الأجهزة الأمنية باتت ظاهرة خطيرة، خصوصاً مع ضعف المشاركة، ما يسهّل التلاعب في النسبة المُعلنة»، مضيفاً أن «الاقتراع الخاص في بيئة مُسيّسة، يفتح الباب أمام توجيه النتائج لصالح قوى محدّدة».
من جهته، يرى الباحث السياسي عباس اللامي أن «الأجواء المحيطة بالتصويت الخاص تكشف هشاشة الفصل بين المؤسستين الأمنية والسياسية في العراق»، معتبراً أن «استغلال أصوات المنتسبين واستخدامها كورقة ضغط انتخابي يُعدّان أخطر من التزوير المباشر، لأنهما يزرعان الولاء السياسي داخل المؤسسات الأمنية نفسها». ويحذّر اللامي من أن ضعف المشاركة في التصويت الخاص قد يتيح «تلاعباً في النسب»، سيُستخدم لاحقاً لـ«تبرير نتائج تميل إلى طرف مُعيّن»، مشيراً إلى أن «التجربة العراقية تُظهر كل دورة انتخابية أضعف من سابقتها، بسبب غياب الثقة والوضوح القانوني».
وجاء «التصويت الخاص» هذه المرة في خضمّ أزمة متصاعدة حول أداء «المفوّضية العليا للانتخابات»، التي تواجه انتقادات حادّة بسبب قرارات استبعاد مرشحين حتى بعد إعلان القوائم النهائية. واعتبر «المرصد العراقي لحقوق الإنسان» أن هذه الإجراءات «تفتقر إلى الشفافية والوضوح القانوني»، محذّراً من أن «توسّع المفوّضية في تفسير صلاحياتها يمسّ مبدأ العدالة الانتخابية». وطبقاً للمصدر نفسه، فإن «تكرار هذه الممارسات في كل دورة انتخابية يُضعِف ثقة المواطنين بالعملية برمّتها، ويجعل المشاركة في الاقتراع، بما في ذلك التصويت الخاص، محطّ شكوك كثيرة».
ومع نهاية يوم الاقتراع، وفيما أعلنت وزارة الداخلية «نجاح الخطة الأمنية»، تحدّث المراقبون، في المقابل، عن عشرات الشكاوى التي ستُرفع إلى المفوّضية، فيما يتأكد مجدّداً أن التصويت الخاص لم يكن يوماً حدثاً إجرائياً فحسب، بل هو جزء من معركة النفوذ التي تُخاض على امتداد المؤسسات العراقية.
