
القاهرة | حتى قبل انطلاق التصويت في الانتخابات البرلمانية المصرية، التي يفترض أن تفرز برلماناً جديداً تمتدّ ولايته حتى عام 2030، بدا المشهد محسوماً منذ البداية، في ظلّ استمرار العمل بالقانون نفسه الذي وُصف في أثناء «الحوار الوطني» العام الماضي، بأنه «معيب» وأوصِي بتعديله، لكنّه لا يزال قائماً من دون أي تغيير. ولم يفسح النظام الانتخابي القائم على القائمة المغلقة المطلقة، المجال سوى للائحة واحدة على مستوى الجمهورية، وهي تلك المدعومة من الدولة، التي تحتاج إلى 5% فقط للفوز، في حين استبعدت «الهيئة الوطنية للانتخابات» بقية القوائم، بدعوى «عدم استيفاء الأوراق»، ما جعل المنافسة شكلية بالكامل، وأدّى إلى حسم نصف مقاعد البرلمان مسبقاً.
أمّا في الدوائر الفردية، فأُجريت هندسة مسبقة لتوزيع المقاعد عبر إخلاء دوائر محدّدة لصالح مرشحين بأعينهم، كما حدث في «دائرة القاهرة الجديدة» التي أُخليت لصالح رئيس حزب «العدل»، عبد المنعم إمام، فيما تُركت دوائر أخرى لمرشحين أقوياء لخوض «منافسة شكلية» في ما بينهم، وسط ضخّ هؤلاء ملايين الجنيهات من أجل الفوز بالمقاعد. كذلك، شهدت دوائر عديدة ترشيح شخصيات لا تمتّ إلى المناطق التي يترشحون عنها بأي صلة، خصوصاً ضمن القوائم؛ كما تمّ إدراج زوجات أو أبناء أو أشقّاء نواب كـ«بدلاء» في حال الوفاة، الأمر الذي جعل نصف البرلمان المقبل محكوماً بتفاهمات عائلية مسبقة، حتى لو اضطرّ بعض النواب الحاليين إلى المغادرة.
وهكذا، فقد تراجع الأداء التنافسي - على تواضعه أصلاً - حتى مقارنةً بدورة 2020؛ إذ انخفض عدد المرشحين الإجمالي من 3964 إلى 2655 مرشحاً فحسب، في مؤشر على تدنّي المشاركة في الترشّح، وهو الأمر الذي انسحب على الحماس الشعبي في التصويت، رغم الحشد الإعلامي ومحاولات إظهار «زحام انتخابي» أمام اللجان. وإلى جانب ذلك، طاولت العمليةَ الانتخابية انتقاداتٌ واسعة بسبب منع «الهيئة الوطنية للانتخابات» إعلان نتائج اللجان الفرعية، ما يفتح الباب للتلاعب في أثناء التجميع النهائي للنتائج في اللجان العامة، في ظل غياب أي رقابة مستقلة أو شفافية حقيقية، حتى مع الإعلان عن «إشراف قضائي» على العملية الانتخابية. وكانت أعلنت النائبة نشوى الديب انسحابها من السباق في دائرة إمبابة في القاهرة، مشيرةً إلى تعرّض مندوبيها لـ«التضييق» داخل اللجان الانتخابية. ورأت أنّ ما جرى يعكس «غياب النزاهة وتكافؤ الفرص».
لا تبدو الانتخابات الجارية سوى حلقة جديدة في إعادة هندسة المجال السياسي
على أنّ اختلال المشهد الانتخابي لم يقتصر على ضعف التنافس والانسحابات، بل امتدّ ليُظهر غياباً شبه كامل للمعارضة السياسية التي تواجه تضييقاً واضحاً على أنشطتها الميدانية ومنعاً لعقد لقاءات جماهيرية، الأمر الذي جعلها عاجزة عن تنظيم أي فاعليات انتخابية حقيقية. كما استُبعد عدد من المرشحين المستقلين والمعارضين البارزين منذ البداية، من بينهم النائب السابق هيثم الحريري، الذي مُنع من الترشّح رغم استنفاد جميع درجات التقاضي، وذلك بعد صدور قرار من وزير الدفاع بإعفائه من الخدمة العسكرية.
على هذا النحو، جاءت الانتخابات التي عوّل عليها البعض لتكون «نافذة» لفتح المجال السياسي، لتؤكّد إغلاق كل مسارات المنافسة الفعلية، واحتكار العملية الانتخابية عبر هندسة مُسبقة للدوائر والمرشحين والنتائج، وليتمّ بالتالي إنتاج برلمان خالٍ من المعارضة، يقتصر دوره الأساسي على تمرير التشريعات الحكومية من دون نقاش حقيقي، وسط حضور محدود لأسماء معارضة «مألوفة» للنظام.
وتتزامن هذه الترتيبات مع أنباء شبه مؤكّدة حول تعديلات دستورية مرتقبة في أثناء الدورة البرلمانية المقبلة، تتيح بقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي في سدّة الرئاسة بعد عام 2030. والجدير ذكره، هنا، أنّ غياب التوازن السياسي أو الأصوات المعارضة في البرلمان المنتظر، من شأنه أن يتيح تمرير هذه التعديلات، باعتبارها «خطوات ضرورية لحماية أمن مصر»، ما يجعل الانتخابات الحالية خطوة تمهيدية محسوبة لضمان السيطرة الكاملة على المشهدين التشريعي والسياسي في السنوات المقبلة.
بالنتيجة، لا تبدو الانتخابات الجارية سوى حلقة جديدة في إعادة هندسة المجال السياسي، بما يضمن منع المنافسة وتفريغ العملية الديموقراطية من مضمونها، في وقت يتعامل فيه المواطنون مع الاستحقاق بوصفه حدثاً لا يحمل أي أمل في التغيير، خصوصاً وسط ما يعانونه من ضغوط معيشية غير مسبوقة.

