
تقدّم رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بطلب رسمي إلى رئيس الكيان، يتسحاق هرتسوغ، بمنحه «العفو» من المحاكمة الجارية ضدّه في عدة قضايا فساد، وذلك في «خطوة مفاجئة وذات دلالات سياسية وقانونية واسعة»، وفق ما وصفت به الأمرَ وسائل الإعلام العبرية. وجاء طلب نتنياهو الواقع في 111 صفحة، في أعقاب ضغوط متزايدة وتقديرات بانتخابات وشيكة، فيما ربط مراقبون هذه الخطوة بالموقف الذي أبداه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال زيارته الأراضي المحتلة قبل شهرين، حين دعا إلى وقف محاكمة نتنياهو، وتوجّه إلى رئيس الكيان بطلب منح الأخير العفو، مُبرِّراً ذلك بـ«الإنجازات الكبيرة» التي حقّقها رئيس الوزراء.
وفي كلمة مصوّرة، ادّعى نتنياهو أن «مصلحتي الشخصية كانت ولا تزال أن أواصل الدفاع عن نفسي في المحاكمة حتى التبرئة الكاملة من كل الاتهامات، لكنّ الواقع الأمني والسياسي، والمصلحة الوطنية، يحتّمان أمراً آخر». وأشار إلى أن «استمرار المحاكمة يمزّقنا من الداخل، ويثير خلافات حادّة، ويُعمِّق الانقسامات»، مُعرِباً عن ثقته بأن «إنهاءها فوراً سيُساهِم في خفض مستوى التوتر ودفع مصالحة واسعة». ولفت إلى أنه أخذ في الاعتبار الطلبات المتكرّرة من ترامب إلى هرتسوغ بإنهاء المحاكمة، ما يسمح «بالعمل على تعزيز المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة».
وأثار طلب العفو جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية داخل الكيان، حيث اعتبرته صحيفة «معاريف» حدثاً «فاجأ وشغل وسائل الإعلام المحلية والعالمية على حدّ سواء»، في حين وصفته «يديعوت أحرونوت» بأنه «هزّة أرضية قانونية ومنعطف فارق في المشهد السياسي». وشهدت مدينة تل أبيب، أمس، على إثر إعلان الطلب، تظاهرات شارك فيها عشرات الإسرائيليين أمام منزل رئيس الكيان، رافعين شعار: «لا لمنح العفو القضائي لمن دمّر الدولة».
أثار طلب العفو جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية
أمّا ديوان الرئاسة، فأكّد تلقّي الطلب من رئيس الحكومة، واصفاً إياه بأنّه «استثنائي وذو تبعات بالغة الأهمية»، ومعلناً أنه ستتم دراسته بـ«مسؤولية وجدّية» بعد الاستماع إلى مختلف الآراء القانونية. على أن رئيس المعارضة، يائير لبيد، طالب، بحسب ما نقلته عنه «القناة الـ13»، بمنح العفو فقط في حال «أقرّ نتنياهو بالذنب وتنازل عن الحياة السياسية»، وهو ما وافقه عليه رئيس الحكومة السابق، نفتالي بينيت. وأضافت القناة أن زعيم حزب «الديمقراطيين»، يائير غولان، علّق بدوره بالقول: «فقط المُتهَمون من يطلبون العفو القضائي».
في المقابل، انبرى وزراء وشخصيات من الائتلاف الحاكم للدفاع عن الخطوة، فطالب وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، بمنح نتنياهو العفو، معتبراً أن هذا الأخير «سيرأب الصدع لدى شعب إسرائيل»، بينما رأت وزيرة المواصلات، ميري ريغيف، أن نتنياهو استُنزف لسنوات بسبب «الهوس بمحاكمته». واعتبر وزير الخارجية، جدعون ساعر، بدوره، أن «إنهاء محاكمة نتنياهو يعكس مصلحة الدولة»، فيما رأى الوزير إيلي كوهين أن الاستجابة للطلب ستكون «في مصلحة إسرائيل». أمّا حزب «شاس»، فقد طالب الرئيس بـ«تجاهل دعوات المعارضة والموافقة على منح العفو».
وعلى صعيد متصل، أشارت قناة «كان» العبرية إلى أن رئيس الكيان يدرس إمكانية التوصّل إلى «صفقة إقرار بالذنب» مع نتنياهو، تشمل شروطاً منها «وقف التشريعات القضائية، وتقديم موعد الانتخابات، والاعتزال عن الحياة السياسية، وتشكيل لجنة تحقيق في أحداث السابع من تشرين الأول». على أن مكتب الرئيس نفى وضع شروط مُسبقة للعفو، بينما نقلت قناة «i24» عن مصادر في محيط نتنياهو رفضه المطلق أي تفاوض مقابل العفو، وتمسّكه «بعدم الاعتراف بالذنب أو الانسحاب من الحياة السياسية». كذلك، أفادت قناة «القناة 12» بأن هرتسوغ لم يبدأ بعد مناقشة الطلب، ونقلت عنه تأكيده أنه «لن يتأثّر بالضغوط»، فيما أشارت التقديرات إلى أن دراسة الطلب ستستغرق عدة أسابيع، وقد تمتد إلى شهرين، على أن يستمع الرئيس خلال هذه الفترة إلى جميع الآراء القانونية ذات الصلة.
وعلى المستوى الإعلامي، أطلق صحافيون ومعلّقون سياسيون وصحف حملة كبيرة ضد طلب نتنياهو؛ إذ وصفته صحيفة «هآرتس» بأنه «وقح» ويُظهِر أن رئيس الوزراء لا ينوي مغادرة المشهد السياسي، بل يخطّط لاستكمال «تفكيك الجهاز القضائي والإعلامي»، عادّةً الاستجابة له «صفقة فاسدة وجائزة للإرهاب». كما انتقد الصحافي بن كسبيت سلوك نتنياهو، قائلاً إن الأخير «دمّر جميع الأنظمة وحرّض أبناء الشعب بعضهم ضد بعض، والآن يطلب العفو وكأنّ شيئاً لم يكن». أمّا المُراسِلة دفنا ليئيل، فلفتت إلى توقيت تقديم الطلب، الذي جاء في «لحظة مُحرِجة لنتنياهو وسط الجدل الدائر حول قانون إعفاء المتديّنين من التجنيد». وفيما أشار الصحافي يوسي ميلمان إلى أن نتنياهو لم يُبدِ أي ندم أو تحمّل لمسؤولية ما حصل، اعتبر الصحافي إيتامار آيشنر أن رئيس الوزراء، الذي لطالما وصف نفسه بأنه الضحية، «يحاول اليوم الترويج لنفسه كمُنقِذ للوحدة الوطنية، متناسياً مسؤوليته في تعميق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي».

