
القاهرة | على الرغم من الهندسة المُسبقة للانتخابات البرلمانية الجارية في مصر، والتي تجلّت في الإبقاء على نظام المناصفة بين القائمة والفردي، وحصر الترشّح عملياً في قائمة واحدة يفوز أعضاؤها تلقائياً، وتفريغ الدوائر أمام المرشحين المطلوب فوزهم، إلّا أن تلك الهندسة دفعت العملية الانتخابية إلى نفق مظلم مليء بالتعقيدات، إذ فاجأت «المحكمة الإدارية العليا» البلاد بقرار إعادة الانتخابات في عدد من الدوائر، على خلفية عدم تقديم «الهيئة الوطنية للانتخابات» محاضر فرز الصناديق الفرعية إلى القضاء - وهو إجراء أصيل يفترض أن تقوم به الهيئة -، ما اضطرّ المحكمة إلى اعتبار ادّعاءات المرشحين بشأن تضارب الأرقام «حقيقة»، لعدم توافر المستندات اللازمة.
وجاءت هذه التطورات بعد اضطرار الرئيس عبد الفتاح السيسي، الشهر الماضي، إلى الحديث علناً عن مخالفات شابت الجولة الأولى التي شهدت عزوفاً شعبياً لافتاً. وجاء هذا الاعتراف على خلفية الانتهاكات الواسعة وعمليات التزوير الموثّقة والتدخّلات المُسبقة من قِبل الأجهزة الأمنية في تشكيل البرلمان، رغم إشراف «الهيئة الوطنية للانتخابات» على العملية الانتخابية.
وهكذا، لم تنجح الهندسة المُسبقة - القائمة على تثبيت أسماء النواب مُسبقاً في معظم الدوائر - في منع التجاوزات، في وقت برزت فيه أسماء مرشحين «مشاغبين» سعوا لإثبات الانتهاكات عبر توثيقها، من مثل المرشّحة الشابة مونيكا مجدي التي سجّلت دفع أموال مقابل الأصوات لمصلحة منافسها في شبرا الخيمة، أو غيرها ممّن واجهوا عراقيل بعد خوضهم الانتخابات مستقلّين. وإلى جانب ذلك، تعدّدت الطعون المُقدّمة من المرشحين الخاسرين، بين أخطاء جسيمة في الفرز، ومنع المندوبين من حضور الحصر، وعدم تسليمهم المحاضر، و«تسويد» بطاقات اقتراع إضافية، أو وقوع تصويت جماعي في بعض اللجان.
على أن تقصير «الهيئة» في أداء واجبها، والذي لم تقدّم تفسيراً له رغم الكلفة المالية والسياسية لإعادة الانتخابات، فتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلّق بوجود محاضر فرز من عدمه، وبعدد المقترعين الفعليين. كذلك، تتقدّم أسئلة كثيرة من بينها ما يتعلّق بإشكالات قضائية نشأت بعد إعلان الهيئة فوز مرشحين في دوائر صدر فيها حكم قضائي بإلغاء الانتخابات، ما يخلق وضعاً قانونياً ملتبساً، ويضع الأمر لاحقاً بيد محكمة النقض، بعدما أصبح المرشّح المعلَن فائزاً عضواً في البرلمان.
ومع دخول القضاة في سجالات وبيانات متبادلة للتنصّل مما جرى، تواجه «الوطنية للانتخابات» سباقاً مع الوقت لإصدار جداول جديدة تلبّي المهل الدستورية لإنهاء العملية الانتخابية، إذ يبقى جزء أساسي من الإرباك الحالي مرتبطاً بإيصال الانتخابات إلى مرحلتها النهائية، في ظل أزمة في الإشراف القضائي، وانكفاء إعلاميين مقرّبين من النظام عن الخوض في تفاصيل العملية، وغضب رئاسي واضح من انكشاف حجم الانتهاكات، التي تتسابق مختلف الجهات للتنصّل من المسؤولية عنها، خصوصاً أحزاب الموالاة التي تَقلّص نفوذ مرشحيها وسعت لتزوير بعض الدوائر.
وفي موازاة ذلك، لم تقرّر «الوطنية للانتخابات» إعادة الانتخابات في أيّ من محافظات المرحلة الثانية التي أُعلنت نتائجها، مكتفية بإبطال جزئي في دائرتَين، في وقت كان لافتاً فيه وصول عدد كبير من المستقلّين إلى جولة الإعادة؛ إذ بلغ عدد ممثّليهم 117 من أصل 202 مرشح يتنافسون على 101 مقعد لم تُحسم بعد.
ومن جهته، حافظ «حزب مستقبل وطن» على صدارة الأغلبية البرلمانية بـ22 مقعداً، مع خسارة 6 مرشحين واستمرار 37 في جولة الإعادة، بينما سُجِّل فوز النائب السابق خالد مشهور كمستقل بعد إقصائه من الحزب بقرار من أمينه العام لمصلحة مرشح آخر، في واحدة من أكثر الدوائر سخونة.
أمّا معارضو الحكومة الناجحون في هذه المرحلة من الجولة الأولى، فلم يتجاوزوا أربعة نواب، مقابل فوز القائمتين الانتخابيتين بالكامل وغالبية مرشحي أحزاب الموالاة. كما كانت لافتةً خسارة جميع مرشحي «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» رغم انخراطه في تفاهمات مع النظام، إذ خسر 11 مرشحاً جرى إفراغ دوائرهم سابقاً لمصلحتهم.
ومع إعلان عشرات المرشحين اعتزامهم تقديم طعون على خلفية الانتهاكات واستخدام «المال السياسي» في الحشد، تكشف الأرقام المسرّبة من محاضر الفرز في بعض الدوائر عن تدنّي نسب المشاركة إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت لم تُعلِن فيه «الهيئة الوطنية للانتخابات» حتى الآن أي نسبة رسمية للاقتراع.

