
القاهرة | تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة العلاقات بين مصر وإسرائيل إلى «طبيعتها»، في وقت تربط فيه القاهرة عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل «طوفان الأقصى» بجملة مطالب. وتندرج المساعي الأميركية تلك في إطار جهود أكبر بدأت منذ أسابيع، عنوانها امتصاص التوتر الذي ضرب علاقات إسرائيل حتى بالدول المُطبِّعة معها، وعلى رأسها مصر والأردن والبحرين.
وتفيد معلومات «الأخبار» بأن نقاشاً دار على مستويات سياسية وأمنية بين القاهرة وعمّان والمنامة، تناول استئناف العلاقات السياسية، بصورتها «الطبيعية»، مع تل أبيب، مقابل مطالب محدّدة. لكن بعض تلك المطالب، خصوصاً المصرية منها، تصطدم برفض إسرائيل التي تراها «صعبة وغير مقبولة»، حسبما قال مسؤول مصري في حديثه إلى «الأخبار».
ورغم التقارير الأميركية عن سعي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لعقد لقاء قريب بين الرئيس المصري، عبد الفتّاح السيسي، ورئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، لم تُبدِ القاهرة «أيّ استجابة لترتيب لقاء على مستوى الرئاسة». وبحسب المصادر، يعود ذلك إلى قناعة مصرية بأن «اللقاء لن يكون ذا جدوى بالنسبة إلى مصر على كلّ الأصعدة»، فضلاً عن تمسّك القاهرة بضرورة أن يسبقه «اجتماع مُعلن بين وزيرَيْ خارجية الطرفين في دولة ثالثة، وبصورة لا تَظهر معها الدولة المستضيفة للاجتماع وكأنها سبب الزيارة الرئيسة للوزيرين».
وتطرح القاهرة مجموعة شروط مُسبقة تراها «أساسية» قبل أيّ اتصال مباشر مع نتنياهو، في مقدّمها الانسحاب الإسرائيلي من «محور فيلادلفيا» وسحب قوات الاحتلال من الشريط الحدودي، بالإضافة إلى فتح معبر رفح. كما تشمل المطالب المصرية، ضرورة أن يتضمّن البيان الرسمي المشترك، الصادر عن اللقاء أو الاتصال المنشود، تشديداً على «إعادة إعمار قطاع غزة، وليس تهجير الفلسطينيين منه»، وهي نقاط تبدي إسرائيل اعتراضاً عليها، باعتبارها «تضرّ بالحكومة وأهدافها السياسية المُعلنة».
وفي مقابل الحديث الإسرائيلي عن إمكانية تسريع الموافقة على صفقة الغاز المجمّدة مع القاهرة بقيمة 35 مليار دولار، وتجنّب التصريحات الرسمية المتعلّقة بالتحركات العسكرية المصرية في سيناء، ترى القاهرة أن هذه العروض «لا تشكّل ثمناً كافياً لبحث استئناف العلاقات الدبلوماسية في الوقت الراهن». وإذ تنبّه مصر إلى أن موقفها من العلاقات الثنائية «منفصل تماماً» عن مسار الوساطة ومواقف الفصائل والسلطة الفلسطينية ممّا يجري، فهي تشدّد، من بين شروطها، على ضرورة فتح معبر رفح في الاتجاهين لـ«إثبات حسن النية الإسرائيلية» في التراجع عن سياسة التهجير، إلى جانب السماح بإدخال المساعدات الإنسانية والمعدّات الطبية لمعالجة المرضى داخل القطاع، وسط مماطلة إسرائيلية في تقديم تعهّدات واضحة ووفق مواعيد محدّدة.
وعليه، ترى القاهرة أن المسعى الأميركي الحالي لإعادة إطلاق حوار سياسي مباشر بين تل أبيب وعدد من العواصم العربية «يخدم أولاً السياسة الإسرائيلية، أكثر ممّا يخدم الأنظمة العربية». وهذا ما أكّده السيسي، أمس، خلال الاتصال الهاتفي مع ملك البحرين حمد بن عيسى، والذي يأتي في إطار ترتيبات أوسع تستهدف تبنّي موقف عربي موحّد من مسألة التعامل مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، وفقاً للمصادر نفسها.
ويعزو المسؤولون المصريون جزءاً من المحاولات الأميركية، التي رفضوا وصفها بـ«الضاغطة»، إلى «محاولة تعزيز صورة نتنياهو داخلياً ودعمه في الانتخابات المقبلة»، وذلك بناءً على تصوّرات أميركية بأن إعادة تشكيل الائتلاف تحت قيادة نتنياهو «قد تتيح للأخير اتخاذ خطوات أكثر مرونة، حسبما يقدّمه بيبي من تبريرات لمسؤولي البيت الأبيض، يرون أنها منطقية».
ووفقاً لمسؤول في الخارجية المصرية تحدّث إلى «الأخبار»، فإن الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، مع مسؤولين أميركيين خلال الأسبوعين الماضيين، شملت نقاشات موسّعة حول هذا الملف، فيما طرح عبد العاطي سؤالاً مباشراً على نظرائه الأميركيين حول كيفية فتح قنوات تواصل مُعلنة مع مسؤولين إسرائيليين «يوجّهون انتقادات علناً إلى السياسات التي تنتهجها مصر».
ورغم أن اتصالاً بين نتنياهو والسيسي جرى خلال زيارة ترامب الأخيرة لإسرائيل - قبل ساعات من وصول الرئيس الأميركي إلى شرم الشيخ لتوقيع اتفاق غزة -، طلب الرئيس المصري من المخابرات العامة، التأكيد، خلال تواصل مسؤولي الجهاز مع المسؤولين الأميركيين، أن تقديره لترامب هو ما «سمح» بالتواصل الثلاثي. لكنه أوصى، في المقابل، بإيصال رسالة مفادها أن هناك ملفات لا يمكن للقاهرة «تقديم تنازلات فيها لاعتبارات داخلية»، داعياً إلى تفهّم «ثوابت السياسة المصرية».

