مطلقات وسط ركام الحرب في غزة: سأبدأ من جديد ولو في خيمة
لم تقتصر معاناة الحرب على النزوح والفقر وفقدان الأحبة والأمن والأمان، بل عمّقت أنماطاً قديمة من العنف الأسري، تجذرت مع غياب الأمن وسبل الحماية وتآكل منظومة الحقوق الدولية للإنسان، خاصة المرأة.


في مدينة غزة، لم تنتهِ آثار الحرب عند حدود القصف والركام ورائحة البارود والإبادة، بل امتدت لتكشف هشاشة اجتماعية مضاعفة، لا سيما في حياة النساء المعنَّفات، خاصة النساء المطلقات.
لم تقتصر معاناة الحرب على النزوح والفقر وفقدان الأحبة والأمن والأمان، بل عمّقت أنماطاً قديمة من العنف الأسري، تجذرت مع غياب الأمن وسبل الحماية وتآكل منظومة الحقوق الدولية للإنسان، خاصة المرأة، لتتحول غزة إلى واحدة من أشرس البيئات الإنسانية في العالم بالنسبة للنساء الأضعف اجتماعياً.
يسلط التقرير التالي الضوء على نساء غزّيات خرجن من تحت الركام الجسدي والنفسي معاً، ويرصد كيف تحوّلت الأمومة الفردية والمرض والإصابة والنزوح القسري إلى معركة يومية من أجل العيش بكرامة، في ظل حرب شرسة لم تترك مساحة حقيقية للتعافي من آثارها النفسية والاجتماعية.
فوق ركامين
في خيمة صغيرة، نُصبت على عجل في إحدى مناطق النزوح بمدينة غزة، جلست هبة مراد، امرأة في بداية الأربعين من عمرها وأم لخمسة أطفال، تحاول ترتيب أكياس الطحين حولها بما يمنح المكان شيئاً من الاستقرار المؤقت.
لا يبدو المشهد استثنائياً في مدينة أنهكتها الحرب، لكن ملامح هبة أعمق من آثار القصف... غبار متراكم من سنوات طويلة من الحروب، وأخرى اجتماعية سحقت ما هو أبعد من البيوت، لتطال الثقة والأمان والحق في حياة كريمة.
اليوم، تقف هبة فوق ركامين في آن واحد: ركام مدينة مدمّرة، وركام حياة أُنهكت حتى أصبحت تبحث عن «وطن آمن» داخل خيمة لا تحمي من برد الليل، ولا من أسئلة الغد.
قاصر… زوجة… ومعيلة في بيئة خطرة
لم تبدأ معاناة هبة مع الحرب الأخيرة، بل سبقتها بسنوات طويلة. في عمر الرابعة عشرة، فُرض عليها الزواج، لتنتقل فجأة من طفولة قصيرة إلى حياة مليئة بالقيود والمسؤوليات. وتقول بصوت منخفض: «كنت طفلة… لا أفهم معنى الزواج، ولا أعرف كيف أدافع عن نفسي».
خمسة عشر عاماً قضتها في منزل عائلة الزوج، في بيئة تفتقر إلى الخصوصية؛ حمام مشترك، غرف ضيقة، وصراعات عائلية لا تنتهي.
الأخطر من ذلك، كما تروي، أن جزءاً من أفراد عائلة الزوج كانوا متورطين في تجارة المواد المخدرة، ما جعل حياتها اليومية محاطة بالخوف والقلق الدائم، وفرض عليها حالة توتر مستمرة داخل المنزل.
لم تكن هبة تملك رفاهية الانسحاب، فحاولت الصمود عبر بيع مواد تنظيف بسيطة لتأمين احتياجات أطفالها، بينما كان الخطر يقترب أكثر من دون شبكة أمان تحميها أو جهة رسمية قادرة على التدخل.
-
(أ ف ب)
يوم انقلبت فيه الحياة
في السادس من تشرين الأول 2019، داهمت الشرطة منزل عائلة طليقها بسبب أحد المطلوبين في قضايا مخدرات.
كانت هبة في الطابق العلوي تُعد الطعام عندما رأت زوجها يفرّ من المكان. تقول بأسى: «في تلك اللحظة فقط أدركت أنه عاد إلى طريق الحبوب الممنوعة». لكن الصدمة الأكبر جاءت حين أُلصقت بها تهمة الاعتداء على أحد الضباط أثناء المداهمة، رغم تأكيدها أن زوجة شقيق زوجها هي من قامت بذلك.
اعتُقلت هبة مع طفلتها وابنة شقيق زوجها، ونُقلت إلى مركز الزيتون ثم إلى سجن أنصار.
خمسة عشر يوماً تصفها بأنها الأصعب في حياتها. تقول بصوت متحشرج: «كنت أبكي طوال الليل. شعرت أن كرامتي تُسلب أمام الناس وأنا بريئة».
خرجت هبة بكفالة، لكنها فوجئت باستقبال عائلة الزوج لها بهتاف «أسيرة محررة»، في مشهد فهمت منه سريعاً أن ما جرى كان محاولة لتثبيت التهمة عليها وتبرئة الآخرين، وتحميلها عبء الفضيحة الاجتماعية.
من بيت الزوجية إلى بيت العائلة… ثم عودة قسرية
لم تتوقف المعاناة عند بوابة السجن. الاتهام أحدث شرخاً داخل عائلتها أيضاً. تقول هبة: «أخي الكبير غضب مني، وظن أنني مذنبة… كنت منهارة ولا أقوى حتى على الوقوف».
حاولت الهروب وطلب الطلاق، مراراً، لكن عائلتها ضغطت عليها للعودة «حفاظاً على الأبناء». وعندما رفضت، أُعيدت بالقوة. عندها لجأت إلى مؤسسة مختصة بشؤون المرأة ورفعت أول قضية طلاق، متنازلة عن جميع حقوقها المادية. لكن المجتمع لم يكن رحيماً، وُجّه لها اللوم لأنها «خرّبت بيتها»، وفق نظرة اجتماعية لا ترى في المرأة المعنَّفة ضحية، بل متهمة دائمة.
عودة مشروطة… وعنف متجدّد
قبل انتهاء العدّة، رضخت هبة لضغوط العائلة وعادت إلى زوجها بعد استئجار شقة، على نفقتها الخاصة، أملاً في بداية جديدة. غير أن العنف عاد، وربما بشكل أشد. تقول وهي تبكي: «كان يضربني ويشتمني… كنت أشعر أنني محبوسة داخل خوف مستمر».
في إحدى المرات، ألقت بنفسها من نافذة الغرفة هرباً من الضرب، بينما كان طفلها ذو الثلاث سنوات يحاول الدفاع عنها، في مشهد يلخّص هشاشة الأمومة تحت العنف، وانعدام أي حماية فعلية.
الطلاق الثاني… وولادة امرأة جديدة
بعد سلسلة اعتداءات جسدية عليها من قبل زوجها، رفعت هبة قضية طلاق ثانية، وتنازلت مجدداً عن حقوقها المادية. تقول بصوت أكثر صلابة: «هذه المرة لم أعد خائفة… شعرت أن حياتي يجب أن تعود لي».
لكن الزوج منعها من رؤية أطفالها لأشهر، في محاولة للضغط والانتقام. كانت تنهار كل ليلة، لكنها واصلت المعركة القانونية حتى استعادت حضانتهم، لتبدأ مرحلة جديدة من الصمود.
عنف وتشرد… واستعادة الذات
لم يكن الطلاق نهاية الألم. بعد انفصالها، استأجرت هبة بيتاً صغيراً في شارع أبو عرار في محاولة منها لإعادة ترتيب حياتها، إلا أن الزوج لاحقها واعتدى عليها بالضرب في الشارع أمام المارة، في مشهد مهين دفع صاحبة المنزل إلى التدخل وإنقاذها بعدما حاولت الانتحار بإلقاء نفسها من الطابق الرابع.
لجأت هبة إلى مراكز لحماية المرأة حيث وجدت دعماً نفسياً أعاد لها جزءاً من قوتها المسلوبة. وتقول إن تلك المرحلة شكّلت نقطة تحوّل حقيقية، رغم حرمانها من أطفالها لفترة طويلة. ولم يتوقف العنف عند الزوج، بل امتد إلى العائلة، إذ واجهت إهانات قاسية من شقيقها.
-
(أ ف ب)
رغم كل ذلك، اختارت هبة ألا تستسلم. خلال العدوان على غزة عام 2023، عملت كمندوبة مع برنامج الأغذية العالمي (WFP)، تشارك في توزيع المساعدات للنازحين، في محاولة لردّ شيء من الخير لعالم ضاق بها طويلاً، ولإثبات قدرتها على الوقوف مجدداً رغم كل ما فُرض عليها.
مع اندلاع الحرب، تضاعفت مسؤوليات هبة، كامرأة مطلقة تعيل خمسة أطفال وحدها. تقول بصوت باكٍ: «لم يكن لدي بيت ثابت… كنت أتنقل وأنا أجرّ أولادي بيدي».
أعاد صوت الصواريخ فتح جرح عتيق داخل هبة لتقول: «كنت أحمل الماء والطعام والخوف وحدي… وأخفي دموعي عن أولادي».
عندما سُئلت عن أقصى طموحاتها، ابتسمت بهدوء وأجابت: «لا أريد الكثير… فقط بيت صغير يجمعني بأطفالي، وعمل براتب ثابت. أريد أن أعيش بسلام».
قصص واقعية أخرى
في مركز خاص بمرضى السرطان للأيتام بمدينة غزة، تروي صفاء أبو فول (38 عاماً) حكايتها مع العنف والمرض والنزوح. فقدت والدها مبكراً، وانقطعت عن التعليم، وأصيبت لاحقاً بسرطان الدماغ، قبل أن تعيش سنوات من العنف الأسري والاستغلال.
تقول صفاء إنها عانت المجاعة، وأُجبرت على أكل طعام الطيور وورق الشجر، وتعرضت للضرب والحرمان من المساعدات، قبل أن تجد في المركز مأوى إنسانياً أعاد لها دفء العائلة. وتضيف بصوت مكسور: «كان أخي يمنعني من النزوح ويجبرني على خدمته رغم إصابتي بالسرطان… استخدم ألفاظًا لا تُحتمل، وضربني بسوط جلدي».
إعاقة جسدية وإرادة صامدة
نيبال الهسي، فتاة عشرينية من مدينة جباليا، فقدت يديها إثر إصابة خلال العدوان، ثم فقدت زوجها الذي طلب الانفصال «لعدم قدرته على تحمّل إعاقتها».
تعيش نيبال اليوم مع طفلتها، وتنتظر فرصة علاجية لتركيب أطراف بديلة، بينما تحاول إعادة بناء حياتها بكرامة، رافضةً أن تكون الإعاقة سبباً لإقصائها.
واقع الطلاق في ظل العدوان
في ظل العدوان الشرس على مدينة غزة، لم تتوفر حتى الآن إحصاءات رسمية دقيقة حول عدد النساء المطلقات، بسبب القصف والدمار وتعطل مؤسسات التوثيق، وصعوبة وصول النساء إلى المحاكم الشرعية والنزوح الواسع المستمر.
إلا أن مؤشرات المحاكم الشرعية تشير إلى ارتفاع ملحوظ في قضايا الطلاق والانفصال، حيث أفادت بعض المصادر القضائية بأن معاملات الطلاق شكّلت نحو 12% من إجمالي المعاملات الشرعية، خلال فترة العدوان 2023-2025، ما يعكس حجم الضغط الاجتماعي والاقتصادي والنفسي الذي تتعرض له الأسر الغزية، خاصة النساء.
طلاق ونزوح... وصراع البقاء
تسرد ماهي عدوان، صحافية تعمل في تلفزيون فلسطين، معاناتها كامرأة مطلقة وأم لطفلين في ظل النزوح والحرب، وتقول: «شعور سيئ أن تكوني مضطرة للنزوح وأنتِ مسؤولة عن تقرير مصيرك مع طفلين، لكن الحمد لله مرت المرحلة».
وتضيف: «كانت لدي خيمة خاصة بي، لكن لم تكن هناك خصوصية على الإطلاق، وكان الناس يتساءلون لماذا أنا مطلقة، وكيف أتعامل مع أموري الشخصية مثل الهاتف وتحديث المستندات والبطاقة، خاصة أثناء النزوح».
تصف ماهي أصعب اللحظات بصوت حزين: «أصعب مرحلة كانت عندما اضطررت للنزوح ولم أكن أعرف إلى أين أذهب أو من أين أحضر خيمة. عند وصولي إلى منطقة المواصي بخانيونس، بكيت كثيراً في أول يوم، وكانت نفسيتي وأولادي سيئة جداً. أثناء القصف والطيران الحربي، كان أولادي يخافون كثيراً، وأنا أخاف أكثر منهم».
تتابع ماهي: «وجود الرجل لا يمنع القصف أو الخوف. لم أتعرض لأي مضايقات، لكن بعض النساء كن يغرن مني لأنني لم أتعرض لمشاكل مع الرجال. الأمان لا يوجد في غزة، وأصبح معظم النساء خلال الحرب معنفات من قبل الرجال».
تطالب ماهي بتوفير دعم خاص للمطلقات: «أتمنى أن يكون هناك شيء خاص للمطلقات، دعم مادي ونفسي ومعنوي، وتلبية احتياجاتهن وأولادهن. رسالتي أن يتم الاهتمام أكثر بالمطلقات وأطفالهن وعدم تركهن يعانين وحيدات».
وتختم عدوان حديثها بحلمها الشخصي: «أحلم بأن يكون هناك تقدير للمطلقة، لأن لا أحد يختار الطلاق بسهولة. أنا مطلقة منذ 12 سنة، وأثناء الحرب نزحت، أكثر من مرة، من تل السلطان رفح إلى المواصي بخانيونس، ثم انتهى المطاف بي في مدينة غزة. حاولت أن أقوم بكل
ما يقوم به الرجال لرعاية أطفالي، وكل من حولي ساعدوني. أطفالي كبروا في ظل الحرب، وحصلت ابنتي الكبرى على معدل 97.6 في الثانوية العامة عام 2007، وحالياً أحضر كل الاحتياجات والمستلزمات لهم».
هشاشة مضاعفة
تقول الدكتورة تهاني أبو غالي، الأخصائية النفسية في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، إن الحرب تضاعف الهشاشة النفسية لدى المرأة المطلقة، لأنها تدخل الأزمة وهي مثقلة أصلًا بخسارة عاطفية واجتماعية واقتصادية.
وتوضح أبو غالي أن النساء المطلقات أكثر عرضة للاكتئاب واضطرابات القلق واضطراب ما بعد الصدمة، إضافة إلى العنف النفسي والاقتصادي والجسدي، خصوصاً في بيئات النزوح غير الآمنة حيث تُنظر للمطلقة أحياناً كـ«فريسة سهلة».
تشير أبو غالي إلى أن المجتمع في أوقات الأزمات يميل إلى التشدد والعودة إلى الأحكام التقليدية، فتُحمَّل المطلقة مسؤولية فشل الزواج، ما يعمّق عزلتها ويمنعها من طلب المساعدة.
وترى أن الدعم النفسي والملاجئ الآمنة ليست رفاهية، بل ضرورة لإعادة بناء الإحساس بالقيمة، ومنع انتقال أثر الصدمة إلى الأطفال
في ظل الأوضاع الصعبة والواقع المرير، تواجه نساء غزة المطلقات فجوة خطيرة بين النظريات والتطبيق العملي وغياب حقوق الإنسان، حيث تراجعت المؤسسات الرسمية والأهلية عن التدخل والحماية بفعل الحرب والنزوح وانهيار الخدمات المتاحة.
مع غياب المؤسسات الخاصة بالتعامل مع مسألة العنف ضد المرأة وغياب الدعم الإنساني، تجد كثير من النساء أنفسهن مجبرات على الصمت أو العودة إلى بيئات عنيفة، خوفاً من التشرد أو فقدان الأطفال، ما يجعل الطلاق في زمن الحرب مخاطرة كبيرة، لا خيار نجاة مضموناً.
من هبة مراد، إلى صفاء أبو فول، إلى نيبال الهسي، تتقاطع القصص عند نقطة واحدة مع ماهي عدوان، نساء أُجبرن على النزوح من أجل النجاة، في مساحة غزة الضيقة التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي، بين العنف والاضطهاد والفقر والنزوح ونظرة مجتمع قاسية.
تقول كل واحدة منهن، في ختام حديثها، بالمعنى ذاته: «تعلمت أن كرامتي ليست ورقة بيد أحد… سأبدأ من جديد، ولو من خيمة».
