
بعد دفاع المستوطنين عن جنود في الاحتلال الصهيوني، ارتكبوا جرائم اغتصاب بحقّ الأسرى الفلسطينيّين، وصولاً إلى الاحتفاء بهؤلاء المجرمين على الشاشات العبرية، ها هو اعتراف جديد يُضاف إلى لائحة الاعترافات السابقة، بما فيها أيضاً مقاطع وثّقها جنود الاحتلال لجرائمهم في فلسطين ولبنان ونشروها على حساباتهم الافتراضية بأنفسهم. فقد قدّم مجنّد صهيوني سابق أوّل اعتراف واضح بقيام جنود الاحتلال بتعذيب الأسرى على نطاق واسع، وتحدّث عن «جموع» من الفلسطينيّين المرميّين أرضاً والمكبّلين بالأصفاد فيما يُسمّعون «موسيقى إسرائيلية لا تنتهي» في مجمّع «الحاكيريا» العسكري. وأشار إلى المنشأة على أنّها «بمثابة بيت رعب، حيث الصراخ يصدر من كلّ الاتّجاهات».
قد يعترف الإعلام الغربي بالجرائم عندما يصعب عليه إخفاؤها
وكان موقع «ذا غرايزون» الأميركي قد أثار هذه القضية، ناشراً مقطعاً من بودكاست ترجمه من العبرية، حيث يظهر عميحاي أتالي، وهو مراسل للكنيست في موقع «واي نت» باللغة العبرية وضابط استخبارات احتياط في القوات الإسرائيلية. قال أتالي إنّه أمضى227 يوماً في المجمّع، مدّعياً إجراء تحقيقات مع أسرى فلسطينيّين، قائلاً «ما زلت لم أستوعب الأمر بالكامل» في ردّ على سؤال من مقدّم البودكاست عن «وجوه الشرّ» (في إشارة إلى الفلسطينيّين). لكن مع استمرار سرد الأحداث، يتبيّن أنّ وجوه الشرّ هذه لم تكن سوى سجّاني الاحتلال أنفسهم. وعلى الرغم من ادّعائه عدم تفاعله مع أسرى فلسطينيّين إلّا في تحقيقات يفترض أنّها «معقّمة»، إلا أنّه زعم عدم وجود متنفّس له من الأهوال التي كان يشهدها. وروى أنّ الجنود كانوا يبثّون الموسيقى الإسرائيلية لساعات طويلة من أجل التسبّب في انهيارات نفسية بين الفلسطينيّين.
وفي إشارة إلى أغنية أطفال إسرائيلية سيّئة السمعة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي بعد قيام جنود بتسجيل أنفسهم وهم يسمّعونها بالقوّة للفلسطينيّين بشكل متكرّر وهم معصوبي الأعين، سأل أتالي مضيفه: «كلّ تلك المقاطع لـMeni Mamtera، هل تعرفها؟»، قبل أن يجيب على نفسه قائلاً: «حسناً، لقد رأيت ذلك بأمّ عيني. قاموا بتشغيل أغنية Ayeka لشولي راند من دون توقّف». ويضحك قائلاً: «أتعلم، هي أغنية تعجبني، لكنّهم أتعبوني بتكرارها». واستدرك مدّعياً أنّه كان يسأل نفسه «ما هذا المكان الذي أنا فيه؟». وأضاف أنّ «الأمر أشبه ما يكون ببيت رعب، حيث الصراخ يأتي من كلّ الاتجاهات»، وبرّر ذلك قائلاً: «حتى خلال ما يسمّى بالتحقيق العقيم، هدفك هو استخراج المعلومات الاستخبارية». اعتراف أتالي قد يبدو منقوصاً، خصوصاً أنّه تعمّد التعتيم على أساليب التعذيب باستثناء أسلوب واحد هو الموسيقى المتكرّرة، ولو أنّه لمّح إليها من حيث الإشارة إلى «الصراخ» و«استخراج المعلومات». لكنّ هذا التلميح بحدّ ذاته اعتراف ضمني بجرائم أخرى أيضاً. ومهما كانت درجة ما أباح به الرجل، فمجرّد الاعتراف يعني تكذيب وسائل إعلام غربية تجهد منذ أكثر من سنة للتعتيم على جرائم كيان الاحتلال قدر المستطاع، فيما الإعلام الإسرائيلي نفسه لم يعد يخفي نواياه الإجرامية، أكان من منظور ناطق باسم اليمين المتطرّف مثل «جيروزاليم بوست»، أو من آخر يدّعي المعارضة مثل «هآرتس»، وكلّ ما بينهما من صحف وقنوات لا قيود على اعترافها بالجرائم رغم الرقابة العسكرية. وقد يعترف الإعلام الغربي بالجرائم إمّا عندما يصعب إخفاؤها أو عندما ينقل شهادات جنود مثل أتالي حول كيفية تأثير قتل الفلسطينيّين على صحّة الجنود النفسية، في مشهد ديستوبي بامتياز. كما أنّ تصريحاً مماثلاً يضيف مادّةً أخرى إلى السجلّ اللامتناهي من الموادّ التي يمكن استخدامها دليلاً على الإبادة في المحاكم الدولية من أجل محاسبة الكيان المرتكب. في كلّ الأحوال، يبقى هذا العالم بأجمعه متواطئاً ومتخاذلاً إزاء إبادة لا يبدو أنّ هناك ما يمكن أن يوقفها سوى القوّة.

