ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

مشاهد الدمار بلّدت الأحاسيس وخدّرت الضمير: «انفجار الصورة » في غزة ولبنان... كي لا نفقد انسانيتنا

ثقافة
|ميديا
حفظ المقالة
سلوى دبوق
سلوى دبوق
الثلاثاء 12 تشرين الثاني 2024
مشاهد الدمار بلّدت الأحاسيس وخدّرت الضمير: «انفجار الصورة » في غزة ولبنان... كي لا نفقد انسانيتنا
مشاهد الدمار بلّدت الأحاسيس وخدّرت الضمير: «انفجار الصورة » في غزة ولبنان... كي لا نفقد انسانيتنا
الخط

تمتد الأنقاض إلى ما لا نهاية كلوحة من لوحات يوم القيامة. لكنّ هذا السيل من الصور المخيفة التي يفترض أن تحدث صدمةً أو استجابة إنسانية عميقة، تُستهلك كأي محتوى آخر على مواقع التواصل ثم تُنسى سريعاً، ما يُعزِّز شعور الاغتراب عن المأساة نفسه


تتجلى في مشاهد الدمار في غزة وقرى جنوب لبنان الأمامية التي تصلنا على مدار اليوم والساعة، صورٌ تحاكي النصوص القديمة عن نهاية العالم. تمتد الأنقاض إلى ما لا نهاية كلوحة من لوحات يوم القيامة. المباني المُهدّمة التي كانت يوماً منازل عامرة بالحياة ونابضة بأصوات الناس، والشوارع المُتشققة التي تحولت إلى متاهات من الركام، والسماء المُلبّدة بالدخان الكثيف... كلها تستحضر صوراً من النصوص الدينية والأدبية عن المشهد الأخروي. كأنّ الأمكنة المنكوبة تُقدِّم شهادة حية على هشاشة الحضارة الإنسانية وقابليتها للزوال في لحظات. يزداد هذا الإحساس بالنهاية عمقاً مع الصمت المُطبق، حيث تختفي أصوات الحياة اليومية لتحلّ محلها أصوات الانفجارات البعيدة وحفيف الرياح بين الأنقاض. حتى الضوء نفسه يبدو شاحباً، مختنقاً بغبار الدمار، ليخلق مشهداً يشبه السيناريوهات التي تخيّلها الكتّاب والفنانون عن نهاية الحضارة البشرية. وما يزيد من قوة هذا التشبيه هو حجم الدمار الشامل الذي لم يستثنِ شيئاً من المستشفيات، والمدارس إلى دور العبادة والمنتزهات. كأن قوة خارقة للطبيعة قررت محو كل أثر للحياة البشرية، تاركةً خلفها فراغاً موحشاً يذكّر بنبوءات النهاية الكبرى.
إن هذا المشهد الأخروي للدمار في غزة وجنوب لبنان، لا يقتصر تأثيره في الواقع المادي فقط، بل يمتد ليُشكِّل ظاهرة إعلامية وثقافية معقدة. عندما تنتقل صور هذا الدمار الشامل عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، تبدأ في التحوّل من مجرد توثيق للواقع إلى ما يسميه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار«الواقع الفائق» (hyperréalité). ذلك العالم الذي تطغى فيه الصورة على الواقع حتى تكاد تمحوه. فكيف تتحول المأساة الإنسانية المباشرة ـــــ عبر عدسات الكاميرات وشاشات الهواتف ـــ إلى مشهد يومي يفقد تدريجاً قدرته على إيقاظ الضمير العالمي؟

علينا مقاومة «الموت المجازي للصورة» بإعادة ربط كل مشهد بسياقه الحقيقي


لقد أسهمت التكنولوجيا الحديثة، وخصوصاً الهواتف الذكية وكاميراتها، في توسيع انتشار الصور عالمياً، ما جعل توثيق لحظات الأزمات سهلاً وفورياً. هذا التدفق الهائل للصورة ينتج وعياً إنسانياً جماعياً يستجيب للأحداث بشكل تلقائي، لكنه يفقد بسرعة عمق التعاطف. مع كل صورة جديدة للمباني المتهدّمة والأحياء المدمرة، تتعمّق الفجوة بين التمثيلات البصرية والحدث الأصلي، أي بين الدالّ والمدلول، حتى تكاد الصورة تنفصل تماماً عن أصلها لتصبح واقعاً قائماً بحد ذاته. فبدلاً من أن تثير هذه الصور المخيفة صدمةً أو استجابة إنسانية عميقة، تُستهلك كأي محتوى آخر على مواقع التواصل ثم تُنسى سريعاً، ما يُعزِّز شعور الاغتراب عن المأساة نفسها. لقد رأينا جميعاً كيف خرج مئات الآلاف من الناس في عدد من العواصم العالمية الكبرى احتجاجاً على حرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل على غزة، لكن مع مرور الوقت تضاءلت أعداد المتظاهرين، الذين اعتادوا رُبّما المشهد، رغم استمرار عمليات الإبادة والتطهير العرقي وامتداد الحرب إلى لبنان.
تبدأ رحلة الصورة في مسار المحاكاة من لحظة التقاطها كتوثيق مباشر للدمار الذي يلحقه العدو الإسرائيلي بأرضنا من مبانٍ متفحمة، وشوارع متشققة، وأشلاء متناثرة وأحياء بأكملها تحوّلت إلى ركام. في هذه المرحلة الأولى، تحمل الصور قوة صدمة الواقع وفظاعته، وتنجح في نقل جزء من المأساة الإنسانية إلى المشاهد. في المرحلة التالية من مسار المحاكاة، تصبح صور الدمار والمجازر اليومية والمعاناة جزءاً من نظام رمزي مُعقّد، فتفقد صلتها بالواقع الأصلي وتتحول إلى علامات تحيل إلى نفسها. هكذا تصبح المباني المدمرة والأنقاض المتناثرة والمقتنيات الشخصية المبعثرة رموزاً مجردة، منفصلة عن معاناة أصحابها الحقيقيين. وبهذا، ينحصر دور المشاهدين في استهلاك عرض بصري مستمرّ من الصور، من دون القدرة الحقيقية على استيعاب المحنة الإنسانية العميقة التي تختبئ خلفها. مع التدفق المستمر لصور الدمار، يحدث ما يمكن تسميته بالتخدير الحسي الجماعي، فتفقد مشاهد الموت ونسف القرى والأحياء الشعبية قدرتها على إثارة الصدمة أو التعاطف العميق، ويحدث تبلُّد تدريجي في استجابة المشاهدين. يؤدي هذا الفائض من الصور إلى ما سمّاه بودريار «انفجار المعنى»، فتصبح كل صورة جديدة مجرد إضافة إلى أرشيف لا نهائي من صور العنف والحرب والمجازر اليومية، من دون قدرة على خلق معنى جديد أو فهم أعمق للمأساة.
في ظل هذا التحوّل العميق، يصبح الدمار الهائل في غزة وجنوب لبنان مجرد مشهد مألوف يُستهلك عبر الشاشات، ما يُفقد المشاهدين القدرة على التمييز بين الواقع وتمثيلاته البصرية. ومع الوقت، تضعف القدرة على الفعل الحقيقي، ويتحوّل التعاطف إلى شعور سطحي وموقت لا يترجم إلى مواقف فعّالة ضد المحتل. هكذا تتحقق نبوءة بودريار عن «موت الصورة»، إذ تفقد الصور ــــ رغم كثافتها، وربما بسببها ــــ قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في الوعي أو التأثير في السلوك.
تتجلى المفارقة الأكبر في أنّ هذا السيل الهائل من الصور، بدلاً من أن يقرّبنا من فهم عذابات الناس اليومية أثناء الحرب، يزيد من اغترابنا عنها. فكلما زاد عدد الصور التي نشاهدها، قلّت قدرتنا على الاستجابة الحقيقية لها. وبهذا تصبح المأساة مزدوجة: مأساة التدمير الممنهج والإبادة والنزوح القسري، ومأساة عجزنا الجماعي عن الاستجابة لهذه الكوارث بشكل حقيقي وفعّال، إذ نكتفي بدور المتفرجين السلبيين على عرض لا نهائي من صور المعاناة والموت. في خضم هذا العصر الرقمي المُتسارع، يواجه الضمير الجمعي تحدياًّ وجودياً عميقاً مع كل مشهد دمار يتكرّر من غزة ولبنان. فالخطر الحقيقي لا يكمن في الصور نفسها، بل في تحولها إلى ما يشبه «الواقع الفائق» بحيث تفقد المأساة الإنسانية وهجها الحقيقي مع كل نقرة على الشاشة وكل مشاهدة. إن تحصين أنفسنا ضد هذا التبلُّد العاطفي وضد التطبيع مع مشاهد القتل والخراب ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة أخلاقية ملحّة في زمن تتحول فيه صور الشهداء والمنازل المُحطّمة إلى مجرد بيانات رقمية عابرة في فضاء افتراضي لا نهائي. علينا أن نقاوم هذا «الموت المجازي للصورة» بإعادة ربط كل مشهد بسياقه الإنساني الحقيقي، وأن نتذكر أن خلف كل صورة دمار يتسبّب بها العدو الصهيوني، تكمن قصص حقيقية لأناس من لحم ودم فقدوا أحباءهم وأرزاقهم، وأحلام تحطمت، وحيوات تغيّرت إلى الأبد.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك