وسيط رقمي قوي لترويج طروحات اليمين المتطرّف: البودكاست ابتلَع «الحبة الحمراء»... وجعل «أميركا أكثر بياضاً»!

في العقدين الأخيرين، شهد العالم تحوّلاً في كيفية استهلاك المحتوى الإعلامي، وخصوصاً بين الأجيال الشابة. لعب البودكاست دوراً محورياً في استهداف الذكور وتوجيههم، وخصوصاً في سياق التحولات الاجتماعية والسياسية. استخدم اليمين المتطرف هذا الوسيط الرقمي، ليقدّم خطاباً يتناسب مع مشاعر الإحباط والضياع التي يعانيها عدد من الرجال في العصر الحالي، مع التركيز على تعميق الانقسامات بين الجنسين واستغلال الأزمة الثقافية الناتجة من تزايد تمكين المرأة والمجموعات المهمشة في المجتمع. إحباط استغله دونالد ترامب ببراعة ليعود رئيساً للولايات المتحدة
عبر منصات البودكاست، تمكنت جماعات اليمين من الوصول إلى جمهور واسع وخصوصاً الرجال البيض، متجنبةً الرقابة الإعلامية التقليدية، وقدمت أفكاراً أيديولوجية تراوح بين تعزيز ثقافة رجولة العالم القديم إلى الترويج لجماعات متطرفة مثل «براود بويز» التي تروج لعادات وطقوس غريبة وحركة MGTOW (الرجال الذين يسيرون في طريقهم الخاص) التي تروج لفكرة أنّ الرجال يجب أن ينؤوا بأنفسهم عن العلاقات مع النساء، مؤكدين على أنّ المجتمع الحالي قد منح النساء سلطات غير عادلة. ولا تقدم هذه الحركات مجرد انتقادات للمجتمع، بل تسعى إلى تشكيل هوية جديدة للذكور تعزلهم عن النساء والمجتمع ككل، بل تعتبر المجتمع الذي يسعى إلى تحقيق المساواة، وخصوصاً في المجموعات المهمشة تاريخياً من السود وعابري النوع الاجتماعي، هي «العدو» الذي يجب محاربته. في هذا الإطار، أصبحت شخصيات مثل عالم النفس والمفكر الكندي، جوردان بيترسون، جزءاً من العمق والبعد الفلسفيين لهذا الخطاب، مقدماً حلولاً جزئية لشباب يشعرون بالضياع، من دون أن يعالج الجذور الأعمق للأزمة.
تأثيرات كبيرة وجّهت على الرجال، لينتهي بهم الأمر بـ «أخذ الحبة الحمراء»، وهو مصطلح يشير إلى لحظة تغيير جذري في إدراك شخص ما وانتقاله إلى ضفة اليمين بالمعنى السياسي. ومستوحى من مشهد في فيلم «ذا ماتريكس»، حين اختار البطل نيو، الذي لعب دوره كيانو ريفز، تناول الحبة الحمراء للخروج من عالم الوهم والانغماس في الحقيقة، التي تتعارض مع «المصفوفة» التي يسيطر عليها النظام.
«دائرة الرجال» فضاء رقمي يجمع بين مواقع إلكترونية ومنتديات تُعنى بدعم الرجال البيض
مع توسع حالة الغضب لدى جزء لا يستهان به من الذكور، تطوّر المحتوى الرقمي الذي يسعى إلى جذب هؤلاء إلى ما يعرف اليوم على النت بـ «المانوسفير» Manosphere، أي «عالم الرجال» أو «دائرة الرجال». وهو فضاء رقمي يجمع بين مواقع إلكترونية، ومنتديات، وبودكاستات، وغرف دردشة، تُعنى بدعم الرجال البيض بشكل أساسي، بزعم أنهم يتعرضون للإقصاء أو الهجوم في مجتمع حداثي يميل إلى تعزيز حقوق المرأة والمساواة. من هذه الحانة الرقمية الذكورية، كما نوضح فيما بعد، سيعود دونالد ترامب رئيساً منتخباً إلى البيت الأبيض عام 2024.
نما سوق البودكاست بشكل كبير في السنين الماضية، وبلغ عدد مستمعيه في جميع أنحاء العالم في العام الحالي أكثر من نصف مليار شخص. وفي الولايات المتحدة وحدها، استمع ما يُقدر بنحو 135 مليون مستخدم إلى برامج بودكاست شهرياً في العام الحالي. وهذه زيادة من 120 مليون مستمع بودكاست شهرياً عام 2023، علماً أن عدد سكان الولايات المتحدة يناهز الـ 347 مليون إنسان وفقاً لإحصاءات أجراها Backlinko بالتعاون مع Semrush.
في هذا الصدد، تُظهر إحصائيات نشرها مركز «بيو ريسرتش» العام الماضي أن الجمهوريين والديموقراطيين يستمعون إلى البودكاست بنسب متقاربة، إذ أفاد 46 في المئة من الجمهوريين و54 في المئة من الديموقراطيين أنهم استمعوا إلى البودكاست في العام الماضي. مع ذلك، يختلف الطرفان على كيفية استهلاكهم للأخبار، إذ يميل الجمهوريون أكثر إلى الوثوق بما يسمعونه في البودكاست مقارنةً بالمصادر الإخبارية التقليدية. وأشار 46 في المئة من الجمهوريين إلى ثقتهم بما يسمعونه في البودكاست، مقارنة بـ19 في المئة فقط من الديموقراطيين. الجمهوريون أيضاً يميلون أكثر إلى الاستماع إلى المحتوى السياسي، إذ أفاد 31 في المئة منهم أنّهم يتابعون بودكاستات تتضمن آراء سياسية، مقارنة بـ21 في المئة فقط من الديموقراطيين، ما يعكس ميلاً أكبر بين الجمهوريين إلى استهلاك الأخبار والمعلومات التي تعزز مواقفهم المحافظة.
وتتضمن بعض أشهر برامج البودكاست المحافظة واليمينية اليوم برامج بارزة مثل برنامج «بن شابيرو شو» من «ديلي واير» و«دان بونغينو» و«مارك ليفين» و«مايكل نولز». وغالباً ما تركز هذه البودكاستات على وجهات النظر المحافظة حول الأحداث السياسية الحالية، وانتقاد السياسات الليبرالية، ودعم القيم المحافظة التقليدية. كما يحظى برنامج «غلين بيك» و«تشارلي كيرك شو» بجماهيرية كبيرة ويغطيان مجموعة من القضايا من السياسة الداخلية إلى المناقشات الثقافية. بالإضافة إلى ذلك، فإن برنامجي «ستيف ديس شو» و«باك سيكستون شو» معروفان بوجهات نظرهما المحافظة، بينما يناقش برنامج «مات والش شو» غالباً الموضوعات الاجتماعية والثقافية من منظور تقليدي. وتشمل بعض أهم برامج البودكاست اليمينية البارزة في مجال «المانوسفير»، برنامج «ساعة الرجال» وبودكاست «فريش آند فيت» وبودكاست «المذكر المهووس». وتروج هذه البرامج لأدوار الجنسين التقليدية والذكورة والمجتمع والعلاقات. كما يظهر مضيفون أمثال أندرو تايت، الذي ارتبط اسمه بمجال «المانوسفير»، في برامج مثل بودكاست The Real AF Podcast من إعداد آندي فريسيلا.
أما بودكاست «جو روغان» الأشهر (لديه حوالى 18 مليون مشترك على يوتيوب فقط)، رغم تقديمه بمنزلة منصة متنوعة للأفكار السياسية والغريبة والمثيرة، يعتمد فعلياً على جذب الشباب بمحتوى يمزج بين الكوميديا والرياضة والمواضيع المناهضة للتحولات الاجتماعية الحديثة، ما يعزّز ميولهم نحو اليمين بمهارة من دون ترويج مباشر للأيديولوجيات. ووفقاً لاستطلاعEdison Podcast Metrics في الربع الثالث من عام 2024، أفاد أن 40 في المئة من مستمعيه سيصوتون بالتأكيد لدونالد ترامب، بينما 21 في المئة سيصوتون لكاملا هاريس، في حين أن 16 في المئة غير متأكدين من خياراتهم الانتخابية.
من الناحية السياسية، تتداخل هذه المنصات والحركات مع تيارات اليمين المتطرف التي تجد في «المانوسفير» ملاذاً فكرياً. ويجري ربط حالة اليأس و«ضعف الذكورة» التي يشعر بها الشباب الأميركي بالسياسات والقيم الليبرالية التي وضعتها نُخب الحزب الديموقراطي في العقود الأخيرة. ومن هذا الباب، تحول ترامب إلى المخلّص، هو «مورفيوس» الذي خيّر «نيو» بين الحبة الزرقاء أو الحمراء في «ذا ماتريكس»، وهو الذي سيعيد أميركا إلى مجدها قبل تكاثر التفاهات الليبرالية، وغياب القيم العائلية والدينية (علماً أن هناك عملاً حثيثاً من بعض المؤثرين الكنسيين في الولايات المتحدة على رفض هذه المشهدية التي يحاول رسمها ترامب لنفسه). حتى قضايا ترامب القانونية مع النساء يُعاد تدويرها لتصبح نوعاً من المكر المحبوب في مسار إعادة الذكور إلى «موقعهم الطبيعي» في المجتمع. وقد استغل ترامب «المانوسفير» بمهارة لافتة، فمن كان ليتوقع أن تتحول برامج البودكاست، التي يظهر فيها المؤثرون وهم يدخنون السيجار ويشربون الكحول، إلى العمود الثقافي الذي يمهّد لعودة ترامب؟

