عند الساعة التاسعة من الليل، قالوا تهيّؤوا سنذهب للسلام عليه... إنّه هناك كعادته، جليس الأنوار في تلك الحسينية. ولمثل هكذا دعوة فلتترجّل الأرواح. ماضية هي لمصافحة أصل الدرّ، وشمّ الوشم الذي أورق في يديه وهو يغرف من جرن معدن العظمة.
وعلى وقع الخطوات، مناسب للقلب أن يُردّد:
بسم الله وبالله وعلى ملّة محمد وآل بيته عليهم صلوات الله، وأتباعه، رجالاتٌ، يُسافر الزمن معهم إلى أبعد وصف في الطّهر، وفي الفخر، هم حزب الله.
إنّ الله القادر، جعل في الأرض له خلفاء، أولياء، عباد الله في مسيرتنا: من كان منكم لم يغمّس مسمعه باسم عبد القادر فقد تاه، وفَاته ما ينبغي أن يتقلّده في دنياه.
عصّبتْ جبينها الأرض، وامتشقتْ ما رُدّ إليها من ضلع الحسين،
وقامت تروي سيرتك، فتتّكئ على عصا... تاريخك ليس طويلاً فقط، إنّما هو أمسنا الذي كان، وحاضرنا، وما سيكون.
الرجلُ، علمُ الله في وجهه، وتعاليمه في دمه، يمشي، وماء من بئر كنعان في خطوه، وقميصه قامت من حوله حروب، لكن لم يأكله الذئب...
أنا إبراهيم... سجّلتك فئة دمي... حزب الله- يا أمّي ويا أبتِ.
في العادة أننا نحطّب تاريخ الأبطال من جذع الذاكرة... معك دائماً تاريخك هو ما أنت عليه الآن، نستعير صوتك لكي تخبر وهو مئذنة:
«ألم ترَ كيف فعل ربّك بعاد، إرم ذات العماد»
قادر... والاسم في المشهد قاهر... والله من فوقه ومن تحته حاضر وناظر...
تمضي إليهم ولا تحتاج إلى واد... وأنت العبقريّ تعرف سلاح كل نصر، تحرقهم، تبدّل صورة البلاد.
«وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد»
قادر... الجنوب تحت قمر يديك نام. والبقاع صلى العشائين في مسجد عينيك والتحَفَ الأمان. والضاحية فرشت منديلها، وأنت تدري أي روح أنزلتَ فيها، ستظلّ تنادي يا ابن قلبي إلى أن ينتهي الزمان.
كل شيء يحدث الآن هو حكايتك في دربٍ متراصٍّ بالأعوام. هو بنية شخصيّتك المعرفية، ومداراتك العرفانيّة... سيكون من الصعب حتماً أن نقلّم كل السنديان في أمكنة مرورك وأزمنة حضورك يا أيّها المحار في بحرٍ... يا أيها المحور في العسكر.
يا شال أمّك الحنون الذي لثمته، وأنت تخرج من البيت من دون علمها صبيّا، متّخذاً قرار الحبّ الأعظم أن تكون مهتدياً، في حياتك هدف من النّوع الذي يقدّرك عليه الله.
فأوصلتكَ نجمات ذاك الليل الأوّل وأنت تمشي على الطريق في بيروت، إلى المسجد.
الناس تقصد المسجد تصلي وتغادر، وأنت تأخذه معك، تتنقّل به في قلبك وعقلك بين المحاور.
إبراهيم عقيل... نقرأ طالع فرادتك وسحرك في عمر التأسيس الأوّل. تدور في الأرض، وخلفك تجرّ أفكاراً ومخططات وتدريبات البنيان الأصل.
من زمانك أنت، صار للجهاد قيادة. توجّه المجموعات، وتسلّحهم، وتشقّ أوّل خنادق التصدي للاجتياح في بيروت.
وعند مصطلح التدريب، يصعد الزمان إلى أعلى جبل، ويقول: دعوني منصتاً...
حين تقرّرَ أن يكون التدريب ركناً، والمعرفة به تحتاج ساحراً مغامراً، في رأسه الأفكار شطآن، كنتَ مسؤولاً للتدريب المركزي في حزب الله، تتظهّر بين يديك أولى القدرات القادرة في التشكيلات.
في جولة مع الأرض، يلحق بنا صوت كل الوقت، يقول: كل الدروب ستوصلكم إلى تاريخ يديه، حفره بحدّ الحدقة في عينيه... إن كان لكم به قرابة، أوصلوا السلام إليه، وأخبروه أنّ مسرى العمليات ومعراج القوافل كلها تطلع من بابه، مسؤول وحدة عمليات جبل عامل هو، في منعطف التحرير، وحتى آخر مطلّ نحو سماء الجهاد، ستظلّ ترجع إليه.
يا صبح صوتك وهو يهلّ من عمق المنطقة الحدودية. وقفتَ عند باب دار الأهل وفي يدك المفتاح، وأدرت به، وقلبت الزمن من احتلال إلى تحرير.
ومعك في الرحلة وجهه الجليل، واسمه الجميل، تتبادلان الخطّة والخطوة وحفر مستنقع العدو في كل عملية... وتتبادلان رغيف الأنس وحنوّ التحيّة... يا عطراً يُغني عن كلام بينك وبين سلسلة من القادة، مثل الحاج عماد مغنية.
خذ كتاب الجهاد بقوّة، وافلق البحر، سيحصل ذلك وإن كنت تسير على التراب. فإن بين أصابعك تتكوّر منشآت وتعلو هضاب... هذا وقت نور الزيتونة في قلبك، معك عصاك، ما همّ لو كانت حرب في تموز.
من قادة هذه المشهدية الإلهية أنت، ثم تصطفّ بعدها سريّة من مفاخرك الأبية.
فنكمل جولتنا مع الأرض، هنا جبل آخر، يشبك يديه خلف ظهره، رافعاً رأسه، وبسمة مقطوفة من آية الكرسي تستريح في وجهه. هنا لحظة من جميل البدايات...
قال أوّل مرّة رآه: «لا أعرفه ولكنّي أرتاح له»
حدّث إنّا نحبّك أن تحدّث،
من حيثما يرفّ نبضك، في قلبك هو، وفي قلبه أنت. في رحلة الأمان والمِحن، شغل أوّلاً منصب وليف درب السيّد حسن...
ثم باقي المسؤوليات باقيات... عيّن معاوناً للأمين العام السيد حسن نصرالله في شؤون العمليات، وعضواً في المجلس الجهادي.
الآن اصعد إذا شئت، تأمّل من أعلى القمّة ما جهّزت وصنعت.
ركن أساس في تأسيس قوّة الرضوان وتطويرها... كان يتقدّم هذا الفيض، ويقاتل في محطّ الدفاع عن مقام السيدة زينب ع في الشام.
وتحت ظلال الرضوان حتوف، تخافها أسلحة وسيوف، «كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله «ويسعون في الأرض فساداً».
وكذا صدح الصوت، ونحن نكمل جولتنا مع الأرض، طال الطريق ولم نرَ إلا آثارك... جيادك وفرسانك.
عند الساعة السادسة والوقت ليل، بقيت لدينا جبال تستوقفنا، وهذه المرة التأمل فيها يحتاج إلى بصيرة وليس إلى بصر... تربت جملة من رفيق له منذ وقت بعيد، قال: «كان قلبه آخرة»...
اشتعل باطنه بالنورانيّات، ومضى بعيداً في رحلة الأنفاس المتحرّقة، وتلك معركة تفوق معركة فوق التراب بالنار والأسلحة. هي معركة القلب وأرضها سماء، وطالب النور فيها ظامئٌ ،غير أنّه ارتوى، حين ظلّ يغادر أصعب الجلسات، أدقّ المحطّات، إذا حان وقت الصلاة.
ها قد وصلنا. مكان يعبق فيه مسك الخواص. مقطوف من سدرة الوصول. فيه تنحدر كل الجبال، ويتسارع الورد يلتف حول الجسد، بدل الرصاص.
هذا أنت، تماماً كما تمنيّت وانتظرت. شهيداً عظيماً جهّز خطّة اقتحام الجليل، صدّق على جبهة لا تهدأ حتى تأمن فلسطين.
نسترق النظر إلى جهة النعش، ويفتح علينا وجهك المضيء بسؤال:
القادة يستريحون بعد قتال. لكنّ الذي في لونك يبلّغ تأشيرة لعظيم نزال. في وجهك يقينك، أنّك من الآتين إلى أرض الجليل.
في وجهك قوّة الرضوان وقد كبّرتها، وسهرت عليها كأم، اليوم تقود المعركة. تتقدمهم أنت في الميمنة وفي الميسرة... تسلّحهم بذكرٍ لا غياب له في كلّ جلسة:
«اللهم اهدنا نعمة العبودية، السير في الصراط المستقيم، أمّا بعد».
الخط

