في مكتبات الكتب المستعملة، يمكن العثور على أعدادٍ تعود إلى سنوات التسعينيات من جريدةٍ اسمها «نداء الوطن»، توقَّفت عن الصدور عام 2000 قبل أن تُتِمَّ عشر سنوات من عمرها، ثم عادت قبل خمس سنوات بانطلاقتين، كانت ثانيتهما قبل أيام.
في الاسم شيءٌ من الرومانسيَّة، وضربٌ من «الوطنيَّة» التي تشي بالعتاقة. الوطن ينادي، وهذه الجريدة تحديداً تبثُّ نداءه إلى أبنائه الذين يتوجَّب عليهم تلبية هذا النداء، بالطريقة التي تناسب وسائلهم وأعمالهم. اليوم، يتعرض الوطن للحرب. نداء الوطن في الحرب معروف؛ لكن أيُّ نداءٍ تنقله هذه الجريدة؟ وكيف هي الاستجابة له؟ ومن يستجيب؟
«نداء الوطن» اليوم لـميشال غابريال المر. هذا ما نقرأه في أسفل صفحة موقعها الإلكترونيّ. هي له هكذا، كأنَّها سيَّارةٌ أو عقار. لِمَ لا؟ ما الذي يمنع ذلك؟ كلُّها وسائل نقلٍ هدفها إيصال صاحبها إلى حيث يريد، وممتلكاتٌ تعود إليه. يبدو هذا تحذيراً أكثر من كونه إعلاناً أو إشهاراً. هي له بما فيها ومن فيها، وعلى هؤلاء الأخيرين أن يُرضوا بارون الإعلام الجديد، ويسيروا في خط مؤسساته المرئية والمسموعة والمقروءة. سيحقق أحلامهم العملية، ويضمن لهم المقروئية والانتشار. سيطبع عشرين ألف نسخة ورقيّة من جريدته المتجدِّدة، في زمن يبيع فيه نعيم صالح ما بين عشرين وثلاثين نسخة من أكثر الجرائد مبيعاً، وقد يبيع محمود أبو الحسن أكثر من هذا العدد بقليل، فيما يبيع البائع الشاب، صاحب الكيوسك الثالث في شارع الحمرا، أقل من عشر نسخٍ بعد تزايد مبيعاته بفعل النزوح. أما الموظَّف في مكتبة «إنترناسيونال» فيشتكي من أنَّهم «يبلصونه» بأربع نسخٍ من جريدة «النهار» التي لم يكن يشتريها أحدٌ حتى قبل أن يعلو سعرها.
صفحة السياسة مريحةٌ إلى درجةِ أنَّها تُعفينا من قراءتها
ما علينا. ما يهمُّنا هو أنَّ للجريدة شعاراً، وهذا الشعار هو: «تَـ تعرف الصح من الغلط». في هذا ثقةٌ وطمأنينة، وهو إشارة إلى الدقَّة في التعامل مع الأحداث، خاصَّةً أن رئيس «التحرير» هو... لا يهمُّ أيضاً. تُعرِّف الجريدة بنفسها بالقول إنَّها «جريدة سيادية مستقلَّة». بالطبع. تكذب غالبية الجرائد، إذ تنفي عن نفسها أيَّ اصطفافٍ سياسي، مُدَّعيَّةً الموضوعية والحياد.
صفحة السياسة مريحةٌ إلى درجةِ أنَّها تُعفينا من قراءتها. لا مفاجآت، مثل وسائل الإعلام الرسمية التابعة للأنظمة العربية. يمكن أن نعتبر أننا قرأناها من دون أن نفعل ذلك، وهذا للأسف لا يحدث إلا بعد أن نفعل ذلك مرَّةً واحدة، إذ نعرف ما سيرد فيها، وهو ذاته ما يُطالعنا في صفحات الكثير من وسائل الإعلام عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لم بذل الجهد وإرهاق العيون في تدوين وقراءة أشياء لا عمق فيها، تُسكب في آذاننا طوال اليوم؟
الكُتَّاب نعرفهم أيضاً. هم أشخاصٌ لا نُشبههم في شيء، خاصَّةً في الكتابة، ولا أعتقد أنَّ «أبو زهير» (هذا اسم أحد الكُتَّاب) يشبههم كذلك، لكنَّ وجوده أمر جيِّد يُحسَب للجريدة، يمكن أن يدلُّ على تعدُّد خلفيَّات الكُتَّاب ومشاربهم الثقافية.
قبل سنواتٍ، كان يمكن أن يُسجِّل قارئ الكتب ملاحظةً على وضع الثقافة إلى جانب الفنون في صفحةٍ واحدة، مع تزايد المساحة التي تشغلها هذه الفنون بسبب تنوُّعها وإقبال الناس على قراءة أخبار مشاهيرها التي كانوا يتابعونها في المجلات. لكن أن يتمَّ إيراد أخبار وصور حفلات زفاف سياسيين وإعلاميين في هذه الصفحة، لا في صفحة المنوعات، فأمر غريب. هل يعتبرون هذه الزيجات أحداثاً ثقافيَّةً أم أحداثاً فنيَّة؟
لفتتني خانةٌ عنوانها «حظَّك اليوم»، خِلتُ أنَّهم يبيعون فيها شبكات اللوتو وأوراق اليانصيب أونلاين، قبل أن يتبيَّن أنَّها للأبراج. قد يكون الوارد في هذه الصفحة، رغم عموميَّته وصعوبة تحقُّقه، أصدق المكتوب في هذه الجريدة.
في أحد كتبه المتشابهة، ذات القطع النثرية القصيرة، يروي الكاتب الأوروغوياني إدواردو غاليانو عن جنرالٍ كان يقرأ الجريدة بالمقلوب. وعندما سُئِل عن سبب سلوكه هذا، أجاب: «إنَّها الخبرة». الخبرة ذاتها، خبرةُ متابعة وسائل الإعلام التابعة لميشال المر، أو القراءة عمَّا يرد فيها، تجعلنا على درايةٍ بما يمكن أن يطالعنا في هذه الجريدة، التي تُمسك الواقع بالمقلوب.


