في العقل الصهيوني العميق، فإنّ الحرب على لبنان هي مقاومة لطرد المحتل اللبناني! هم المحرّرون ونحن مغتصبو الأرض. لا قيمة للقانون الدولي ولترسيمات الحدود الاستعماريّة التي انتزعت منهم «حقهم الموروث دينياً». بعلم نفسٍ عكسي، تحوّلت أدوار أطراف الرواية، لتقترن التسمية بالفعل، ويصبح جيش «دفاع» إسرائيلي، يدافع عن أرضه المحتلة... في جنوب لبنان.
هذا المنطق التوراتي ليس بالجديد، وأطماع الصهاينة في لبنان تعود إلى ما قبل تأسيس دولة لبنان الكبير. الطارئ أنّ هذه العقليّة التي لم تخفت يوماً، عادت لتطفو إلى السطح علناً، وأصبحت المجاهرة بها متكررة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، بعدما كانت الوقائع على الأرض تعمل على تحقيق هذه الأجندة وخصوصاً في فلسطين المحتلة، ولكن تحت ذرائع أخرى. الخيط الوهمي الفاصل بين الديني والسياسي في الكيان تبخّر، واللعب أصبح على المكشوف.
في ظرف شهر تقريباً، نشرت جريدة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية مقالين تناولا بشكل واضح «حقّ» إسرائيل التاريخي في لبنان. المقال الأول (عادت الصحيفة وحذفته لاحقاً) نشر مطلع الشهر المنصرم وحمل عنوان «هل لبنان جزء من الأراضي الموعودة لإسرائيل؟». سرح هنا الكاتب بمخيلته الخصبة، استناداً طبعاً إلى نصوص دينية توراتية، ليقفز إلى مرحلة ما بعد الحرب ويتحدث عن كيفية تنظيم «حياتنا اليوميّة» في جنوب لبنان، من زرع وريّ وحصاد. تخطى الكاتب الحرب، وانتقل إلى التركيز على شؤون الحياة وكيفية إدارتها.
يذكر منظمة «عوري تسافون» التي تروج للاستيطان في الجنوب
وقبل أيام، عادت الصحيفة إلى النغمة ذاتها، لكن مع فروقات بسيطة، لا تؤثر في الجوهر. بعدما أتى عنوان المقال الأول بصيغة الاستفهام، وشمل لبنان بأكمله ضمن الملكيّة التاريخية «المشروعة» لإسرائيل، أتى المقال الثاني محصوراً أكثر جغرافياً بمنطقة الجنوب، لكن بصيغة الجزم والتأكيد. عنوان المقال الأحدث هو «جنوب لبنان هو في الواقع شمال إسرائيل». إذاً هنالك وقائع. أما هوية كاتب المقال، مايكل فرويند، فلافتة أيضاً في رمزيتها كونه عمل سابقاً كنائب لمدير الاتصالات في مكتب نتنياهو. يبدأ فرويند مقاله بمهمة تثقيفية يعتبرها ضرورية لمن خانته الذاكرة أو المعرفة، مشيراً إلى أنّه «بينما تقاتل قوات الدفاع الإسرائيلية لتطهير جنوب لبنان من إرهابيي «حزب الله»، فمن الجدير تسليط الضوء على حقيقة تاريخية مثيرة للاهتمام، يبدو أنّ كثيرين نسوها». بالنسبة إليه، فإنّ «الحدود الحالية بين إسرائيل ولبنان لا يزيد عمرها على قرن وهي مصطنعة بالكامل» منذ زمن الاستعمار. ويرى أن وجود «حدود دوليّة بين الدولة اليهودية وجيراننا إلى الشمال، جعلنا نعتبر أنّ هذا هو الوضع الذي كان عليه الأمر دائماً، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه». إذاً، فالحدود قابلة للتغير في المستقبل ليست واقعاً حتمياً ومكرسة دولياً.
الحقيقة التي نسفها الاستعمار هي أنّ «جنوب لبنان هو في الواقع شمال إسرائيل، من الناحية التاريخية، وجذور الشعب اليهودي في المنطقة عميقة». وفي مسحة واقعية يلفت إلى أنه «سواء كان من الممكن أو ينبغي أن تترجم هذه الحقيقة الآن إلى واقع سياسي، فهذه مسألة أكثر تعقيداً، ولكن لا يمكن إنكار ارتباطنا بالأرض». بعد هذه المقدمة العامة، يعدّد فرويند بعضاً من «الحقائق» التي يعتبر أنها تثبت «حقّ» إسرائيل في جنوب لبنان: «في الواقع، في العصور التوراتية، كان جنوب لبنان جزءاً واضحاً من أرض إسرائيل. يقول سفر التكوين (10:19)، «وكانت حدود كنعان تمتد من صيدا نحو جرار إلى غزة، ثم نحو سدوم وعمورة وأدمة وتسيبويم إلى لاشع»». ويعود ليشدد على أحقية إسرائيل بصيدا مرتين أخريين عبر نصوص توراتية، إحداهما بتطرقه إلى سفر يشوع (13: 6) الذي «يذكر صيدا صراحة على أنها موعودة للشعب اليهودي، ويقول أيضاً (19: 28) إنّ حدود سبط آشير امتدت إلى صيدا».
لم ينته فرويند من صيدا بعد. ينتقل من التوراة إلى الإركيولوجيا، حيث «يمكن العثور على أدلة أخرى على الارتباط اليهودي بالمنطقة في مختلف الأماكن المقدسة ومقابر الصالحين في جنوب لبنان». ويذكر في هذا السياق مقام «زبولون» في عاصمة الجنوب «الذي كان لقرون طويلة محجّاً لليهود من مختلف أنحاء المنطقة وخارجها» كما واحتضان المدينة أحد أقدم المعابد اليهودية في العالم في حارة اليهود، يعود تاريخه إلى حوالى عام 833. كذلك، يذكر وجود مقام «اهولياب، بن أخيسامك» في بلدة سجد.
وفي خاتمة المقال، يذكر الكاتب منظمة «عوري تسافون» التي تروج للاستيطان في جنوب لبنان. ويلفت إلى أنه «على الرغم من أنّ بعضهم قد ينظر إلى هذه الفكرة (أي الاستيطان في جنوب لبنان) باعتبارها فكرة بعيدة المنال، فمن الجدير أن نتذكر أنه قبل قرن واحد فقط، كانت فكرة الدولة اليهودية ذات السيادة بعيدة المنال أيضاً. ففي نهاية المطاف، تميل أحلام اليوم إلى التنبؤ بواقع الغد، وخصوصاً في الشرق الأوسط».

