
في الأشهر الأخيرة، تصاعدت وتيرة استهداف الناشطين الدوليين في الضفة الغربية على يد سلطات الاحتلال. لم يعد التضييق يقتصر على الفلسطينيين وحدهم، بل امتد ليشمل الناشطين الدوليين الذين يغامرون بحياتهم لدعم المزارعين الفلسطينيين في موسم قطاف الزيتون أو لتوثيق الانتهاكات اليومية. بتوجيه من وزير «الأمن القومي» اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، أُنشئت وحدة خاصة تهدف ليس فقط إلى طرد هؤلاء الناشطين، بل إلى شيطنتهم ووصمهم بدعم «الإرهاب» باستخدام وسائل مراقبة متقدّمة وتهم ملفّقة، ما يشير إلى تصعيد غير مسبوق في محاولة إسكات أي تضامن دولي مع القضية الفلسطينية
في إطار إستراتيجية ممنهجة تهدف إلى تقويض العمل التضامني مع الفلسطينيين ومنع توثيق الانتهاكات، أُنشئت وحدة خاصة تحت إشراف بن غفير في نيسان (أبريل) الماضي، بالتنسيق مع وحدة الشرطة المركزية في الضفة الغربية وسلطة السكان والهجرة، لتعجيل عمليات اعتقال الناشطين وترحيلهم. وجاءت هذه الوحدة بمثابة رد فعل على العقوبات الدولية المفروضة على المستوطنين الإسرائيليين جراء انتهاكاتهم ضد الفلسطينيين، واستهدفت بشكل خاص الناشطين الأجانب الذين يشاركون في موسم قطاف الزيتون أو يدعمون المزارعين الفلسطينيين في المناطق الريفية.
وشرح تقرير نشره موقع مجلة «972» الإلكتروني، كيف تعتمد إسرائيل في استهدافها للنشطاء على أساليب تتسم بالترهيب والتلاعب، إذ تحدث ناشطون دوليون عن تعرّضهم لتحقيقات تضمّنت تهديدات مباشرة واتهامات كاذبة مثل دعم «الإرهاب» أو الانتماء إلى «حماس». بالإضافة إلى ذلك، تستخدم السلطات الإسرائيلية تقنيات مراقبة متطورة، ولا سيما برمجيات شركة Cellebrite الإسرائيلية لاختراق هواتف الناشطين وجمع صور ومعلومات من حساباتهم على السوشال ميديا لتبرير التهم.
أبرز الحالات المتداولة تشمل اعتقال ناشطين ألمانيين رفضا تسليم جوازات سفرهما لمستوطن مسلّح، بالإضافة إلى ناشط أميركي يبلغ 78 عاماً اتُّهم بدعم خمس منظمات «إرهابية». كما شملت الحوادث ناشطين أميركيين استهدفا بناءً على صور عشوائية من تظاهرات، من دون أدلة تربطهما بأي أعمال عنف. والهدف الأساسي من هذه الإجراءات ليس الحفاظ على «الأمن»، بل منع الناشطين من توثيق الانتهاكات ضد الفلسطينيين، خصوصاً في المنطقة «ج» في الضفة، حيث تزداد عمليات التهجير القسري. وقد أشار عدد من النشطاء الذين رُحِّلوا، إلى أنهم واجهوا مضايقات نفسية وجسدية أثناء التحقيقات، بما في ذلك أسئلة استفزازية حول ديانتهم وولائهم السياسي. أحد المحققين قال لأحد النشطاء: «إسرائيل كانت هنا قبلك وستبقى بعدك». بالإضافة إلى ذلك، يتعرض النشطاء لعنف جسدي على يد المستوطنين وأحياناً الجنود. في إحدى الحوادث، أصيبت الناشطة الأميركية السورية لو غريفن بجروح في رأسها بعدما رُشقت بالحجارة أثناء مرافقتها لأحد الرعاة الفلسطينيين. حتى عندما سقطت أرضاً، استمر المستوطنون في رمي الحجارة عليها واستخدام رذاذ الفلفل ضدها.
اختراق هواتف الناشطين
وجمع صور ومعلومات
عنهم لتبرير التهم
في البُعد السياسي لهذه الحملة، توظّف جماعات اليمين المتطرف خطاباً قومياً ودينياً لتبرير هذه السياسات، مع استخدام مصطلحات مثل «يهودا والسامرة» بدلاً من الضفة الغربية، لتأكيد السيطرة الإسرائيلية عليها. علاوة على ذلك، يبدو أنّ استهداف الناشطين الدوليين يأتي في إطار رد فعل على الضغوط الدولية المتزايدة ضد المستوطنين، ويعكس إحباط إسرائيل من العقوبات المفروضة على عمليات الاستيطان. وفي محاولة منها لعدم إظهار أنّ ما يحصل من طرد للناشطين هو عمل مدفوع من الحكومة، تلجأ سلطات الاحتلال إلى وسائل نفسية وجسدية لإرغام الناشطين على مغادرة الكيان، بما في ذلك استخدام جماعات اليمين لمضايقتهم قبل احتجازهم، ثم حرمانهم من الطعام وممارسة الضغط النفسي عليهم أثناء الاحتجاز.
وأصبحت الاعتقالات والترحيل أدوات رئيسية في سياسة إسرائيل ضد النشطاء الأجانب. وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «هآرتس» في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، وثّق ترحيل ما لا يقل عن 16 ناشطاً أجنبياً من «إسرائيل» منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، بعد احتجازهم في الضفة الغربية. وكشف بعض النشطاء المرحلين للصحيفة العبرية عن أسئلة غريبة وجت إليهم من قبل قوات الاحتلال، ولا سيما سؤال: «من هو رئيس قطف الزيتون» في المنطقة؟ وهذا دليل على محاولتهم إيجاد أي حجة لتبرير اعتقال النشطاء. ووفقاً لـ «هآرتس»، تدافع سلطات الاحتلال عن هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية للحفاظ على «الأمن القومي» وتنفيذ القوانين المتعلقة بشروط الإقامة. وتصرّ وزارة الداخلية على أنّ استغلال تأشيرات السياحة لأغراض أخرى، بما في ذلك الاحتجاجات أو توثيق الانتهاكات بحق الفلسطينيين، يعدّ انتهاكاً كافياً لتبرير الترحيل. من جانبه، يدعو بن غفير إلى إجراءات أكثر صرامة، معتبراً أنّ النشطاء الأجانب يشكلون خطراً إستراتيجياً على إسرائيل. ويرى أن تواجدهم في الضفة الغربية يسهم في تعزيز الحملات الدولية ضد إسرائيل، بما في ذلك الدعوات إلى مقاطعتها. بناءً على ذلك، أصدر أوامر لـ «الجيش» والشرطة لتوثيق عمل النشطاء واعتقالهم عند أدنى مخالفة.
وتلعب الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بما في ذلك «الجيش» والشرطة ووحدة الهجرة، أدواراً متكاملة في تطبيق هذه السياسة. وتظهر وثائق رسمية نشرها التقرير أنّ التعاون بين «الجيش» والشرطة «كان حاسماً» في تنفيذ رؤية بن غفير. على سبيل المثال، أظهرت وثيقة موجهة من قائد المنطقة الوسطى في «جيش» الاحتلال أن الجنود تلقوا تعليمات لمنع النشطاء من دخول مواقع قطف الزيتون، بدعوى منع «خلق احتكاك» مع المستوطنين. وعلى الرغم من الصرامة التي تواجه بها إسرائيل النشطاء الداعمين للفلسطينيين، تُظهر التقارير أنّ السلطات تغض الطرف عن أنشطة منظمات يهودية دولية تدعم المستوطنين، حتى عندما تنتهك قوانين الإقامة أو تتورّط في أعمال عنف.
عبر تقويض الجهود التضامنية وإسكات الأصوات الدولية التي توثّق الانتهاكات، وتشكيل وحدات خاصة لمتابعة النشطاء، صار واضحاً أنّ المخطّط الإسرائيلي لضم الضفة الغربية يتسارع بوتيرة متزايدة. تطور يأتي بالتوازي مع الاستعدادات لعودة الرئيس المنتخب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني (يناير) المقبل، بعد تنصيبه رسمياً. وتسعى إسرائيل في هذا السياق إلى حماية صورة الاحتلال من الانتقادات العالمية، ومحاولة منع فضح ممارسات الاستيطان والتهجير القسري التي ترتكبها في الأراضي الفلسطينية.
Cellebrite للمراقبة والتجسّس
تعدّ Cellebrite، وهي شركة تكنولوجيا مراقبة إسرائيلية يقع مقرها في تل أبيب، من الشركات التي لعبت دوراً محورياً في الحرب على غزة، وهي الآن في صدد تعزيز مكانتها كمزوّد رئيسي للتكنولوجيا الأمنية للحكومة الأميركية. فقد سمحت الشركة لـ «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (FBI) باستخدام نسخة غير معلنة من تقنيتها لمساعدته في اختراق هاتف الرجل الذي حاول اغتيال دونالد ترامب، توماس ماثيو كروكس، في 40 دقيقة فقط. إنجاز كان ممكناً أن يستغرق سنوات في الظروف العادية. وبعدما ساعدت الشركة في اختراق الهاتف، أعلنت عن إنشاء فرع لها في الولايات المتحدة عبر استحواذها على شركة Cyber Technology Services الأميركية، المتخصصة في الأمن السيبراني ولديها تصاريح للعمل مع المشاريع الفيدرالية عالية السرية. وتسعى Cellebrite عبر هذه الخطوة إلى تعزيز علاقاتها مع الحكومة الأميركية والفوز بعقود في مجال التحقيقات الاستخباراتية والجنائية.
لم تقتصر علاقات Cellebrite على الولايات المتحدة فقط، إذ وقعت عقوداً مع سبع وكالات حكومية بريطانية في العام الحالي، شملت ثلاث وكالات شرطة ومكتب المدينة في لندن ووزارة الخارجية البريطانية، التي أنفقت 370 ألف دولار على خدمات الشركة.
في غزة، قدمت الشركة تقنياتها للمساعدة في تحديد مواقع هواتف وأماكن مقاتلي حركة «حماس» الذين شاركوا في عملية «طوفان الأقصى». كما تلقت الشركة تمويلاً من وزارة الدفاع الأميركية لتطوير منتجات تسهم في تتبع وتحديد مواقع العمليات العسكرية لحركة «حماس» في القطاع.

