
بعد ستة وأربعين عاماً، استشهد أيمن عبد اللطيف رحال مرة ثانية. ليل التاسع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، استهدفت غارة إسرائيلية مركزاً للجيش اللبناني على شاطئ الصرفند (قضاء صيدا - جنوب لبنان). استشهد ثلاثة عسكريين، هم: علي حرب، آدم عون، وأيمن رحال. شُيّع الأخير، الذي كان يبلغ اثنين وأربعين عاماً، في عدلون المجاورة، حيث كان يقيم مع زوجته. صار له الآن قبران، القبر الأوّل، الذي يبلغ عمره 46 عاماً، مغروس في مسقط رأسه، طيرحرفا الحدودية (قضاء صور)، حيث استشهد شقيقه الطفل أيمن عام 1978، وهو في الخامسة من عمره، على إثر قصف مدفعي استهدف منزلاً في الساحة.
ما إن تبلّغ عبد اللطيف رحال نبأ استشهاد نجله قبل أيام، حتى صرخ قائلاً: «راح أيمن مرتين». لم ينسَ الأب الثكل فقدانه لطفله الأول وزوجته فاطمة عطايا، التي كانت حاملاً في شهرها السادس حينها. يستذكر الأب رحال اللحظات التي سبقت القصف من المواقع المعادية. اصطحب طفلته كاترين إلى الدكان لشراء المثلجات، بينما كان طفله الأصغر قيصر يزور جدته. أمّا أيمن البكر، فقد كان مختبئاً في حضن والدته فاطمة، وبجوارها عمّته مريم رحال وابنة الجيران اعتدال حيدر. سقطت القذيفة بجوار عطايا، فاستشهدت على الفور، فيما أصيب أيمن، وحيدر، ورحال بالشظايا. حمل الوالد أيمن وأسرع به نحو مستشفيات صور لإنقاذه. «طوال الطريق، كان يئن ويطلب شرب الماء، وكان والدي يطلب منه الصبر ريثما يصلا إلى المستشفى»، قالت شقيقة الأيمنَين، أمل رحال. عند منطقة القليلة، أسلم أيمن الروح متأثراً بجراحه: «أكثر ما يؤلم والدي أنه امتنع عن تقديم الماء له كيلا ينزف. ويا ليته لم يتركه يموت عطشاناً»، أضافت رحال.
بعد سنوات، تزوّج عبد اللطيف رحال من سيدة ثانية، وسريعاً أنجب طفلاً جديداً سمّاه أيمن، تخليداً لذكرى ابنه الشهيد، وليبقى «أبو أيمن». كان يسعى إلى إنجاب أكبر عدد من الأطفال «تحسّباً لفقدانهم»، في إشارة إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على البلدة منذ ذلك الحين. لا تزال عين اعتدال حيدر المصابة شاهدة على مجزرة طيرحرفا. أما أيمن رحال الثاني، الذي عاش اثنين وأربعين عاماً، فقد كان يحيي ذكرى شقيقه الطفل الذي دفع ثمن الإجرام الإسرائيلي كآلاف غيره. وبين الشقيقين، خلّد الشاعر الجنوبي شوقي بزيع ذكرى أيمن الأوّل في قصيدته «سأحدثكم عن أيمن»، التي نظمها على إثر المجزرة، قبل أن يغنيها الفنان مارسيل خليفة لاحقاً.

