
في خطوة تعكس تعقيد الصراعات السياسية وتأثيرها على الفضاء الرقمي، أزالت شركة Valve لعبة الفيديو «فرسان الأقصى» من متجر Steam في المملكة المتحدة بناءً على طلب وحدة مكافحة الإرهاب البريطانية. يأتي القرار في سياق تصاعد التوترات حول السرديات الفلسطينية، إذ تعرضت اللعبة لانتقادات من جهات محافظة، علماً أنها تبرز مقاومة شعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي. تعكس هذه الخطوة الصراع الأيديولوجي حول تمثيل النضال الفلسطيني في الإعلام الرقمي، خصوصاً مع الجيل زي الذي نشأ في عالم متّصل، ما يجعل من إزالة اللعبة رقابةً واضحةً على حرية التعبير وحقوق الشباب في طرح قضاياهم بأسلوب العالم الرقمي الذي نشأوا فيه
في تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، أعلن المطور الفلسطيني-البرازيلي نضال نجم عن تحديث جديد للعبة الفيديو «فرسان الأقصى: فرسان المسجد الأقصى»، التي صدرت للمرة الأولى عام 2022. التحديث الذي أطلق عليه اسم «عملية طوفان الأقصى» مستوحى من العملية التي قادتها المقاومة الفلسطينية في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023. أثار هذا التحديث اهتماماً واسعاً داخل المجتمع الداعم للقضية الفلسطينية، لكنه واجه في المقابل هجوماً حاداً من السلطات البريطانية ودول أخرى.
تُقدّم «فرسان الأقصى» منظوراً فريداً نادراً ما يظهر في صناعة الألعاب السائدة، إذ تعرض النضال الفلسطيني المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي، بعيداً عن القوالب النمطية التي تربط العرب بالإرهاب في غالبية ألعاب الفيديو. بطل اللعبة، أحمد الفلسطيني، هو طالب فقد عائلته نتيجة غارات الاحتلال الجوية، لينضم إلى مقاومة خيالية تسعى إلى الدفاع عن الأرض والشعب الفلسطينيين.
-
Call of Duty التي تبرّز الغزو الأميركي للعراق، تعرّي الغرب الذي يتسامح مع العنف حين يخدم مصالحه الاستعمارية وسرديته
يضع هذا السرد اللعبة في مواجهة مباشرة مع الخطاب الغربي السائد الذي يُصور النضال الفلسطيني على أنه «إرهاب». كما أشار نجم في تصريحاته ومدوناته، فإن اللعبة تهدف إلى تغيير هذه الصورة في الغرب، حيث تُصوّر الألعاب الشهيرة مثل Call of Duty الجنود الأميركيين بمنزلة أبطال، بينما يظهر العرب كأعداء.
رغم الشعبية التي حظيت بها اللعبة في الولايات المتحدة والصين، إلا أنّ السلطات البريطانية حظرتها قبل أيام بدعوى أنها «دعاية إرهابية». هذا الادعاء يتناقض مع سماح تلك السلطات للألعاب التي تمجّد التدخلات العسكرية الأميركية، مثل Call of Duty، التي تتضمن مشاهد تُقتل فيها شخصيات مدنية وعربية من دون أي مساءلة. يعلق نجم على هذا التناقض في حديث له إلى موقع 404media أنه «إذا كانت لعبتي تُعتبر دعاية إرهابية، فيجب أيضاً حظر أحدث إصدارات Call of Duty التي تبرر الغزو الأميركي للعراق»، ما يعكس التسامح مع العنف حين يكون في إطار يخدم السردية الغربية.
حظّرت بريطانيا اللعبة التي تصوّر الكفاح الفلسطيني المسلّح بدعوى «الإرهاب»
الانتقادات الموجهة إلى لعبة تعكس البُعد الأيديولوجي الأوسع الذي يُهيمن على الإعلام الغربي، عندما يجري تجاهل السياق التاريخي والسياسي للاحتلال الإسرائيلي. تحديث «عملية طوفان الأقصى» يسلط الضوء على أحداث معاصرة مثل الحصار المفروض على غزة، والعنف ضد الفلسطينيين في المسجد الأقصى، وجرائم المستوطنين، ما يجعل اللعبة منصةً لطرح السرد الفلسطيني أمام جمهور عالمي. لكن هذا الطرح لا يلقى القبول في البيئات التي تُفضّل قمع الأصوات المعارضة للرواية الإسرائيلية. الحظر البريطاني، إلى جانب القيود المفروضة في ألمانيا وأستراليا، يوضح كيف تستخدم قوانين مكافحة الإرهاب لخنق الأصوات المناصرة للقضية الفلسطينية.
اختارت الحكومات الغربية حظر اللعبة، ليس لأنها تروج للعنف، بل لأنّها تجرأت على تقديم وجهة نظر مضادة للنظام القائم الذي يُدين المقاومة الفلسطينية ويُسبغ الشرعية على الاحتلال. التحديث الأخير للعبة استلهم أحداثاً واقعية من نضال الشعب الفلسطيني، وهو ما أثار الغضب لدى القوى الداعمة لإسرائيل، التي سارعت إلى وصف اللعبة بالدعاية «الإرهابية»، متجاهلة تماماً أنّ الألعاب الغربية غالباً ما تتجاوز حدود الأخلاق بتصويرها للمجازر ضد شعوب الشرق الأوسط.
تكشف هذه السياسة الممنهجة عن عمق التحيز الغربي في التعامل مع الروايات الفلسطينية، سواء في الإعلام أو في الفضاء الرقمي. ألعاب مثل Grand Theft Auto هي خلاصة العنف الفوضوي، وCall of Duty تروّج للحروب الإمبريالية، وتُعرض من دون قيود تحت شعار حرية التعبير، بينما تصنف لعبة مثل «فرسان الأقصى» كتهديد أيديولوجي لمجرد أنها تجرأت على تمثيل واقع الاحتلال الإسرائيلي ومعاناة الفلسطينيين.
ما فعله نضال نجم ليس مجرد تطوير لعبة فيديو، بل هو عمل فني مقاوم يحاول اختراق حاجز الصمت العالمي المفروض على النضال الفلسطيني. بإطلاقه هذه اللعبة، طرح نجم أسئلة حرجة أمام صناعة الألعاب والإعلام العالمي: لماذا يُسمح بالتصفيق للعنف الأميركي في العراق وأفغانستان، بينما يُدان حق الفلسطيني في مقاومة من يهدم منازله ويحتل أرضه؟ لماذا تُمنح الآلة العسكرية الغربية منصة للاحتفال بجرائمها بينما يُحظر أي تمثيل لحركات التحرر؟
تلك الازدواجية لا تتوقف عند الألعاب فقط، بل هي انعكاس لمنظومة استعمارية تسعى إلى إخضاع كل أشكال التعبير عن المقاومة الفلسطينية. حظر «فرسان الأقصى» لا يتعلق بالأخلاقيات أو القوانين، بل هو محاولة لإسكات صوت فلسطيني يُعيد تعريف النضال كحق إنساني، ويطالب العالم بالنظر إلى القصة من زاوية الضحية، لا من منظور القوة المحتلة.
هذه اللعبة ليست مجرد منتج ترفيهي؛ إنها صرخة رقمية ضد الاحتلال، ووسيلة لمخاطبة العالم بلغة العصر. الحظر الذي فُرض على اللعبة لن يُوقف الرواية الفلسطينية، بل سيعزّز من الإصرار على استخدام كل الأدوات الممكنة، بما فيها التكنولوجيا، لكسر الحصار الإعلامي والسياسي المفروض على شعب يناضل من أجل حريته.

