
يشهد العالم سباقاً جديداً نحو الطاقة النظيفة، إذ تسعى الدول الغنية إلى إنتاج الهيدروجين الأخضر لتحقيق أهدافها المناخية. ورغم الحماسة المتزايدة لمشاريع الهيدروجين في دول مثل تونس، التي برزت لاعباً مهماً في هذا المجال بعد توقيعها اتفاقيات لتصدير الهيدروجين الأخضر إلى أوروبا، إلا أن هذا التحول يحمل تحديات جيوسياسية واقتصادية وتقنية. من بين هذه التحديات ما يتعلق بمخاطر فقدان السيادة على الموارد الطبيعية، ما يهدد بخلق اعتماد جديد على الدول المستهلكة، ويعيد إنتاج أنماط الاستغلال الاستعماري، ولكن هذه المرة تحت غطاء «خفض الانبعاثات» بدلاً من أن تكون خطوة نحو تنمية شاملة تتبع نهجاً تعاونياً إقليمياً في إنتاج وتوزيع الهيدروجين بين الدول المجاورة، بما يضمن توزيعاً عادلاً للأعباء والمنافع ويجنب تكرار أخطاء الماضي
في عام 2022، وقعت تونس مذكرات تفاهم عدة مع شركات أوروبية، مثل «توتال إنرجي» و«فيربوند» النمسوية، لتصدير الهيدروجين الأخضر إلى أوروبا عبر مشروع H2 Notos الذي يهدف إلى نقل 200 ألف طن سنوياً عبر «خط أنابيب من تونس إلى إيطاليا». تسعى تونس عبر الاتفاقية إلى إنتاج ستة ملايين طن من الهيدروجين بحلول عام 2050 لتغطية العجز في الطاقة، الذي وصل إلى 50 في المئة في عام 2022، وخلق فرص عمل جديدة. ولكن هناك مخاوف من أن يؤدي هذا التوجه إلى تكرار نمط «الاستعمار الطاقوي». إذ تتطلب مشاريع الهيدروجين كميات ضخمة من الماء والأراضي، ويتوقع أن تستهلك 248 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً بحلول عام 2050، أي نصف احتياجات السكان الحالية. كما أن البنية التحتية المطلوبة ستشغل نحو 500 ألف هكتار، أي ضعف مساحة تونس الكبرى، وهو ما يهدّد مناطق الجنوب التي تعاني أصلاً من شح المياه ونزاعات الأراضي. كذلك، وقّعت شركة «أكوا باور» السعودية نهاية شهر أيار (مايو) من العام الحالي، مذكرة تفاهم مع وزارة الصناعة والمناجم والطاقة في تونس، بهدف دراسة تنفيذ مشروع جديد يهدف إلى إنتاج نحو 600 ألف طن من الهيدروجين الأخضر سنوياً على ثلاث مراحل، وتصديره إلى الاتحاد الأوروبي. وهو ما قد يُشكل ضغطاً إضافياً على الموارد المائية في تونس، التي تعاني بالفعل من شح المياه. والجدير ذكره أنه في منتدى «الاستثمار السعودي الإيطالي» في ميلانو في أيلول (سبتمبر) 2023، جرى توقيع عدة اتفاقيات بين شركة «أكوا باور» السعودية والشركات الإيطالية، بما في ذلك شركة «إيني» الإيطالية العملاقة في مجال الطاقة. ويركز هذا التعاون على تطوير الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة وتحلية المياه والمبادرات البحثية. ويتماشى هذا التعاون مع رؤية السعودية 2030 وإستراتيجيات إزالة الكربون، فضلاً عن اهتمام إيطاليا بتعزيز سلاسل إمدادات الطاقة. كما يمتد هذا التعاون إلى ما هو أبعد من التنمية المحلية، مع وجود خطط لمشاريع الهيدروجين في الشرق الأوسط وأوروبا. وبطبيعة الحال، يؤثر موقف رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني في نهجها في استراتيجية الطاقة في إيطاليا. وباعتبارها زعيمة حزب «إخوان إيطاليا»، الذي يتبنى برنامجاً قومياً ومحافظاً، فإن حكومتها تعطي الأولوية للمصالح الوطنية واستقلالية الطاقة. يتماشى هذا المنظور مع أهدافها السياسية الأوسع نطاقاً المتمثلة في تعزيز سيادة إيطاليا، وخصوصاً في سياق مشهد الطاقة الأوروبي. وتدعو إدارة ميلوني إلى زيادة الاستثمارات في إنتاج الطاقة المحلية وتنويع مصادرها، ما يعكس الرغبة في تقليل الاعتماد على واردات الطاقة الأجنبية وضمان أن تلعب إيطاليا دوراً رائداً في أوروبا، ولا سيما في أعقاب أزمة الطاقة التي أثارها الصراع في أوكرانيا. كذلك، تحاول ميلوني إيقاف مد المهاجرين من أفريقيا إلى إيطاليا عبر خلق وظائف في قطاع الهيدروجين ظاهرياً. ولكنها بذلك تشارك في تحويل البلاد إلى مجرد «محطة وقود» أنشأتها دول الشمال بالتعاون مع أسياد النفط لضخ الهيدروجين إلى أوروبا. رغم أن الهيدروجين يُروَّج على أنه طاقة نظيفة يمكن أن تقلل انبعاثات الكربون، إلا أنّ هناك سلبيات عدة تحد من فعاليته وتبني استخدامه على نطاق واسع. أحد التحديات الرئيسية هو الكلفة العالية للإنتاج، وخصوصاً عند الحديث عن الهيدروجين الأخضر المولّد من مصادر متجددة باستخدام تقنية التحليل الكهربائي (عملية فصل الماء إلى هيدروجين وأكسجين باستخدام تيار كهربائي). مقارنةً بمصادر الطاقة التقليدية، يتطلب هذا النوع من الإنتاج استثمارات ضخمة في البنية التحتية وتقنيات متقدمة لتقليل التكاليف بمرور الوقت. هناك أيضاً مخاطر تتعلق بنقص التسهيلات المطلوبة لتخزين ونقل الهيدروجين بشكل آمن وفعال، إذ يعد الهيدروجين شديد الانفجار (اللهب الناتج من احتراق الهيدروجين يكون غير مرئي تقريباً في ضوء النهار، ما يجعل اكتشاف الحرائق أو السيطرة عليها صعباً) وقابلية تسرّبه من الأنابيب عالية. من بين الانتقادات الأخرى، تشير تقارير معهد «اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي» IEEFA، إلى أن بعض أنواع الهيدروجين، مثل «الهيدروجين الأزرق»، تعتمد على الوقود الأحفوري (الغاز) مصحوباً بتقنية احتجاز الكربون، ما يؤدي إلى استمرار الاعتماد على الغاز الطبيعي والتأثير سلباً في المناخ. ويثير هذا مخاوف حول استخدام الهيدروجين بمثابة «حلّ زائف» يعوق الانتقال السريع إلى الطاقة المتجددة بالكامل. أضف إلى ذلك أن الدول النفطية التي تعتمد على تصدير الغاز الطبيعي بشكل رئيس في اقتصادها، ترى في الهيدروجين الأزرق فرصةً للمحافظة على «هيمنتها على الأسواق العالمية»، وهو ما قد يعوق تحقيق أهداف العدالة المناخية ويؤدي إلى استمرار قيود الطاقة المركزية بدلاً من حلول لا مركزية تعتمد على مصادر محلية. الاعتماد على الهيدروجين أيضاً يفرض تحديات على صعيد الكفاءة؛ فعند تحويل الكهرباء إلى هيدروجين ثم استخدامه وقوداً، تضيع نسبة كبيرة من الطاقة في عمليات التحويل (تفقد حوالى 30% من الطاقة الكهربائية على شكل حرارة)، ما يجعل الاعتماد على حلول مباشرة مثل البطاريات أكثر فعالية في بعض القطاعات. لذلك، رغم أن الهيدروجين قد يلعب دوراً مهماً في الصناعات التي يصعب تخفيف انبعاثاتها (النقل الثقيل وصناعة الفولاذ)، فإنه لا يخلو من التحديات الكبيرة التي تتطلب معالجة شاملة لضمان تحقيق نتائج بيئية واقتصادية إيجابية.

