أميركا تريد محو ذاكرة الـ AI الصيني
فرضت الحكومة الأميركية ضوابط جديدة على تصدير شرائح HBM المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، للصين. يهدف هذا القرار إلى كبح التقدم الصيني. الحرب التكنولوجية بين البلدين ليست سوى وجه آخر للصراع بين الرأسمالية والإمكانات التحررية التي تتيحها التكنولوجيا


فرضت الحكومة الأميركية ضوابط جديدة على تصدير شرائح HBM المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، للصين. يهدف هذا القرار إلى كبح التقدم الصيني. الحرب التكنولوجية بين البلدين ليست سوى وجه آخر للصراع بين الرأسمالية والإمكانات التحررية التي تتيحها التكنولوجيا
في ظل الصراع على الريادة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، أصبحت شرائح HBM محوراً أساسياً للسيطرة على من ينشئ أقوى ذكاء اصطناعي في العالم. تهدف القيود الأميركية الأخيرة على تصدير هذه الشرائح إلى إبطاء تقدّم الصين التكنولوجي والعسكري.
والـ HBM نوع متقدم من شرائح الذاكرة، صُمِّمت لتوفير سرعة أكبر وكفاءة أعلى مقارنة بشرائح الذاكرة التقليدية. تعتمد هذه التقنية على تكديس طبقات عدة من الشرائح فوق بعضها بشكل عمودي، ما يسمح بتخزين ومعالجة البيانات بكفاءة عالية وفي مساحة صغيرة. بفضل هذه الميزة، تُعدّ HBM مثالية لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأنظمة الحوسبة الفائقة الأداء، إذ يمكنها التعامل مع كميات هائلة من البيانات بسرعة من دون تأخير. وتُستخدم في النماذج اللغوية الكبيرة (مثل «تشات جي بي تي»)، ومعالجة الصور، وتحليل البيانات الضخمة، التي تتطلب معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة وبدقة. وتستخدمها شركات التكنولوجيا الكبرى لتلبية المتطلبات الضخمة لمعالجة البيانات بسرعة. على سبيل المثال، تعتمد NVIDIA بشكل كبير على ذاكرة HBM في وحدات معالجة الرسومات مثل H100 و A100، التي تُعد العمود الفقري لمعالجة تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. كما تدخل هذه الشرائح في تصميمات شرائح «غوغل» (TPUs) و«أمازون» (ترينيوم وإنفنتاليا).
الضغط الأميركي قد يدفع الصين إلى التسريع في تطوير تقنيات محلية بديلة
تُنتج هذه الشرائح من قبل ثلاث شركات في العالم فقط، وتهيمن شركتا «إس. كيه. هاينكس» و«سامسونغ» الكوريتان على نسبة 90 في المئة من الإنتاج، بينما تمثل شركة «مَيكرون» الأميركية نسبة 10 في المئة منه مع خطط للتوسع إلى 20-25 في المئة بحلول 2025. وتوقّعت تقارير أن تمثل شرائح HBM أكثر من 20 في المئة من قيمة سوق رقائق الذاكرة في 2024، مع زيادة تصل إلى 30 في المئة بحلول 2025. مع ذلك، تواجه الصناعة تحديات تقنية ضخمة نظراً إلى تعقيد التصنيع الذي يتطلب دقة متناهية وموارد ضخمة.
رداً على ذلك، أعلنت الصين أنها ستحظّر تصدير المعادن النادرة التي تدخل في هذه الصناعة، بما في ذلك الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون والمواد الفائقة الصلابة إلى الولايات المتحدة. كما تخطّط لإجراء مراجعات أكثر صرامةً لصادرات الغرافيت إلى الولايات المتحدة وحظر تصدير المواد ذات الاستخدام المزدوج للاستخدامات العسكرية النهائية الأميركية.
مع تسارع الصين نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في صناعة أشباه الموصلات والشرائح الإلكترونية، أصبحت هذه الصناعة محوراً استراتيجياً في التنافس التكنولوجي العالمي. أدركت الولايات المتحدة أنّ تقدم الصين في هذا المجال قد يُحدث تحولاً جذرياً في موازين القوى التقنية، وخصوصاً أنّ الصين تستثمر بكثافة في تطوير قدراتها المحلية عبر دعم شركاتها الوطنية المختصة بشرائح الذاكرة مثل Yangtze Memory وChangxin Memory. بالتالي، أصبحت شرائح HBM عنوان القيود التكنولوجية الجديدة.
يمثل هذا الحظر ضربةً مؤقتة للصين، إذ إنّ القيود المفروضة على واردات HBM، تعكس رغبة الولايات المتحدة في تقليص القدرة التنافسية الصينية على الساحة التكنولوجية العالمية. عبر هذه القيود، تسعى الولايات المتحدة إلى خلق فجوة في سلسلة الإمداد التكنولوجية الصينية، ما يفرض على الصين تأخيراً مهمّاً في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. هذا التأخير لا يقتصر فقط على التأثير في قطاع التكنولوجيا في الصين، بل يتعداه إلى مشاريع مثل الذكاء الاصطناعي في الصناعات العسكرية والمدنية، التي أصبحت تعدّ من الأولويات الاستراتيجية بالنسبة إلى الحكومة الصينية. ولا يقتصر تأثير هذه القيود في الصين، بل إنّها تفتح الباب أمام الشركات الأميركية للإفادة من هذا الوضع. إذ إنّ الحظر سيسمح لشركات التكنولوجيا الأميركية بالحصول على كل شرائح HBM التي تحتاجها، ما يمكّنها من توسيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. هذا سيعزز قدرة الشركات الأميركية على مواصلة تطوير تقنياتها المبتكرة، مثل تقنيات التعلم العميق وتحليل البيانات الضخمة، التي تعتمد بشكل كبير على حوسبة مكثفة.
لكن رغم الفوائد المحتملة التي ستجنيها الولايات المتحدة وشركاتها من هذه القيود، فإن هذا الضغط قد يؤدي أيضاً إلى تسريع جهود الصين لتطوير تقنيات محلية بديلة. ومن المتوقع أن تبذل الصين ــــ التي تتعامل مع هذه التحديات على مستوى حكومي وصناعي ــــ جهوداً أكبر في البحث والتطوير، ما قد يسهم في تسريع ابتكار حلول تكنولوجية محلية قادرة على سدّ الفجوة التي أحدثها الحظر، وهو ما قد يعيد تشكيل ملامح المنافسة التكنولوجية العالمية في المستقبل.
الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين ليست فقط تنافساً على السوق أو التفوق العلمي، بل صراع حول التحولات الكبرى في موازين القوى العالمية، إذ تسعى الإمبريالية الأميركية إلى الحفاظ على هيمنتها، بينما تحاول الصين إعادة صياغة موقعها كقوة صاعدة. والولايات المتحدة، التي كانت تاريخياً تحتكر الإبداع التكنولوجي العالمي، ترى في صعود الصين تهديداً مباشراً لهيمنتها. فقد تطوّرت الصين بسرعة لتصبح لاعباً رئيسياً في مجال التكنولوجيا، ما دفع واشنطن إلى اتخاذ تدابير قمعية للحفاظ على تفوّقها. علماً أن الحرب التكنولوجية بين البلدين ليست سوى وجه آخر للصراع بين الرأسمالية والإمكانات التحررية التي تتيحها التكنولوجيا.
