
احتفلت «متروبوليس» أول من أمس بافتتاح مركزها الخاص الذي اتخذ من منطقة مار مخايل في بيروت مقراً له. يضمّ المركز صالتي عرض ومقهى، ومكتبة، إضافة إلى حديقة مخصّصة للعروض الخارجية. على مدى السنوات الثماني عشرة الماضية، شكّلت «متروبوليس» وجهةً للباحثين عن السينما البديلة والمستقلة، قبل أن يمرّ عليها عدوانين صهيونيين، إلى جانب الأزمة الاقتصادية، ووباء كورونا، وسلسلة من الأزمات المتتالية.
في شهر تموز (يوليو) عام 2006، أُضيئت شاشة «متروبوليس» للمرة الأولى في الطابق السفلي الثاني من «مسرح المدينة». كغيرها من المبادرات الفردية، لم تكن تدرك أن ذلك الشهر من ذلك العام سيأتي حاملاً معه الموت والوجع والنزوح. اندلعت الحرب بعد نحو ليلتين من بدء نشاط «متروبوليس»، وفتح «مسرح المدينة» أبوابه ليحتضن العائلات النازحة. من تموز إلى آب (أغسطس)، بقيت الجمعيّة مشغولة بمحاولة الترفيه عن النازحين وأطفالهم، عبر عرض الأفلام التي خلقت حماساً غير متوقع بين الشباب.
تضم المنشأة مكتبة لموارد «سينماتيك»، تحتوي على أكثر من 3000 عمل سينمائي
هذا التفاعل الشبابي الذي لمسته الجمعيّة غير الربحية، دفعها إلى تطوير مشروعها ليصل إلى جمهور أوسع من الشباب. تحت عنوان «كلنا في السينما»، تعاونت «متروبوليس» مع «المعهد الفرنسي» ونحو ستين مؤسسة تعليمية، لعرض الأفلام المستقلة والبديلة على الأجيال الجديدة. هذا النجاح شجعها على الانتقال إلى مركز «صوفيل» في الأشرفية، حيث شغّلت صالتين من عام 2008 حتى عام 2020. على مدى هذه السنوات، كانت «متروبوليس» ملاذاً لعشاق الفن السابع والأفلام التي لا تجد طريقها إلى الجمهور المحلي عبر الصالات التجارية. تميزت عن باقي صالات العرض التجارية في بيروت، التي ركّزت غالباً على الأفلام الرائجة، فلبّت شغف عشاق السينما ومنحت الفن السابع الأهمية التي يستحقها في لبنان والمنطقة. برزت «متروبوليس» كمركز إقليمي رائد في السينما البديلة والمستقلة، واستقبلت أفلاماً عربية، فرنسية، وإيطالية، ومنحت السينما اللبنانية مساحةً لا تهدف إلى جني الأرباح على حساب المستوى الفني المقدم للجمهور. نظمت الجمعية معارض استعادية واستضافت مهرجانات عالمية مثل «مهرجان الفيلم الأوروبي»، ومهرجان «شاشات الواقع» الوثائقي، و«مهرجان بيروت للرسوم المتحركة»، و«مهرجان أفلام الشباب»، وغيرها. وأطلقت ورش عمل تدريبية متخصصة في صناعة السينما للمواهب الشابة، لتكون نقطة انطلاق لدخولهم إلى هذا المجال. كما أطلقت مشروع «سينماتيك» الذي يهتم بأرشفة السينما اللبنانية وتوزيعها.
على مدى أكثر من عقد من الزمن، استقطبت «متروبوليس» أكثر من خمسة وعشرين ألف طالب لاكتشاف السينما المحلية والعالمية. كما ذهبت بنفسها إلى المدارس، من أجل عرض الأفلام على الطلّاب، بهدف بناء أجيال محبّة للسينما والفن والثقافة. وأسهمت المؤسسة، التي شاركت في تأسيسها اللبنانية هانية مروة وترأستها المخرجة زينة صفير، في تنمية المشهد السينمائي في المنطقة، وأصبحت ملجأً للباحثين في تاريخ وتطوّر الفن السينمائي.
مع بداية عام 2019، لاحظ القيّمون التدفق الثابت للجماهير الجديدة والفضولية إلى صالات «متروبوليس». هذا الزخم أثار احتمال إطلاق صالة ثالثة، لكن في كانون الثاني (يناير) 2020، جاء خبر الإغلاق المفاجئ بسبب بيع مركز «صوفيل» وطُلِبَ إخلاؤه. ورغم الإغلاق المفاجئ في ظل المناخ الاجتماعي والاقتصادي الصعب، لم تستسلم جمعية «متروبوليس». ورغم أنّها أصبحت بلا مركز يحتضن جميع أنشطتها، استمرت في العمل كـ«رحّالة»، متنقلة بين مختلف أنحاء بيروت ولبنان. تعاونت مع مؤسسات مثل «إشبيلية» في صيدا و«بيت الفنان حمانا» والبلديات لاستضافة عروضها وأنشطتها المتنوعة.
مع ذلك، ظلَّ هدف إعادة فتح مقر يجمع أنشطة «متروبوليس» في مكان واحد قائماً. بحث الأعضاء المؤسسون عن مواقع مختلفة، من مدارس ودور سينما ومصانع مهجورة، إلى أن جاءت فكرة وصفت بـ«الجنونية»: بناء مقر خاص بسينما «متروبوليس».
بدا الأمر شبه مستحيل، لكنّه ها هو يصبح واقعاً. لم يكن الأمر سهلاً، فمع الأزمات التي توالت على لبنان منذ عام 2020، بدا المشروع شبه مستحيل. لكن «متروبوليس» تمسكت به. اكتشفت الجمعية المتبرعين المثاليين الذين يدركون أهمية المشهد السينمائي وتأثيره. قدمت شركة Unifoncière S.A.L قطعة أرض في منطقة مار مخايل قبالة مرفأ بيروت. وبدعم من أفراد ومنظمات أوروبية وعربية، بدأت الجمعية عملية بناء مركزها في نهاية عام 2023.
المنشأة، التي صمّمتها وأشرفت على تنفيذها المعمارية صوفي خياط، تضم صالتين سينمائيتين. تتسع إحداهما لنحو مئة مشاهد، بينما الأخرى تسع لمئتي مشاهد. إضافة إلى ذلك، يضمّ التصميم حديقةً لعرض الأفلام في الهواء الطلق، تتسع لما يصل إلى 400 فرد. كما تضم المنشأة مقهى ومركزاً لموارد «سينماتيك»، أشبه بمكتبة تحتوي على أكثر من 3000 عمل سينمائي وأرشيف أفلام «متروبوليس»، ولا سيما أرشيف الأفلام اللبنانية. إذ تأتي هذه المكتبة كوسيلة للحفاظ على جزء من الذاكرة الاجتماعية، ومورد للباحثين والمهتمين بتاريخ السينما والعاملين في مجال صناعة الأفلام. تتحدث المخرجة اللبنانية زينة صفير عن التصميم المعماري لمركز «متروبوليس»، مشيرة إلى أنّ التصميم يعتمد على تقنيات الـ Prefabrick، أي تقنيات البناء الجاهز، التي تسمح بإعادة تركيب وتفكيك المبنى عند الحاجة. أمّا عن صالات عرض الأفلام، فتؤكد أنّ الجمعية عملت على توفير أفضل تقنيات الصوت والصورة، مشيرةً إلى أن «متروبوليس تعمل في غالبية الأحيان على استضافة مخرجي الأفلام التي تُعرض في صالاتها، ولكي يكون المخرج على رضى تام عن تجربة عرضه في صالاتنا، من الواجب علينا أن نقدم تجهيزات مرئية وسمعية مناسبة».
أمّا عن البرمجة التي ستعتمدها «متروبوليس»، فتؤكد زينة صفير أنّ الجمعية ستبقى وجهةً للباحثين عن السينما البديلة والمستقلة وسينما المؤلف، وأنّ امتلاكها مركزها الخاص يمنحها استقلالية أكثر من أي وقت مضى، وبذلك سيكون لها حرية أكبر في البرمجة.
سيشهد الجمهور مهرجاناً جديداً من نوعه في بيروت
ورغم أنّ الجمعية ما زالت تبحث عن المزيد من المتبرعين، إذ ما زال عليها تسديد الكثير من المستحقات واستكمال المدفوعات، إلّا أنّها أصرت على فتح أبوابها مساء السبت المنصرم، لخوض مغامرة جديدة مع برنامج يستمر على أكثر من عام.
استعادات وأفلام عائلية ومفاجأة تنتظر الجمهور!
افتُتح المقرّ الجديد لـ«متروبوليس» بأربعة أفلام قصيرة تسلط الضوء على ثلاث دول عربية: لبنان، وفلسطين، ومصر. تستند هذه الأفلام إلى الأرشيف المصوّر، وقد عُرضت بشكل متتالٍ لتتخذ شكل حفلة سينمائية ترافقها موسيقى من تأليف وأداء أنطوني صهيون. حمل الفيلم الأول عنوان Folie Douce للمخرجة اللبنانية رانيا إسطفان. أمّا الفيلم الثاني، فهو «فقط السينما» للثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج. وجاء الفيلم الثالث بعنوان «دراسة لبورتريه» ذاتية للمخرج اللبناني فارتان أفاكيان. واختُتم العرض بفيلم «فلسطين: سردية منقّحة» للمخرجتين رنا عيد وسينتيا زافين.
في ليلة أول من أمس، استمر احتفال «متروبوليس» بمركزها الجديد مع عرض الوثائقي «حالة عشق: غسان ابو ستة» في عرضه الأول في العاصمة اللبنانية. الفيلم، الذي جاب العالم وحصد جوائز دولية منها «جائزة الجمهور» في «مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان»، يتناول حياة الطبيب الفلسطيني المناضل غسان أبو ستة. الفيلم من إخراج كارول منصور وإنتاج منى الخالدي، وقد حضر المناقشة التي تلت العرض كل من المخرجتين وأبو ستة نفسه.
وبدءاً من اليوم وحتى 30 كانون الأول (ديسمبر)، تستعيد «متروبوليس» أفلاماً عربية مرمّمة ضمن برنامج بعنوان «جواهر من الماضي». يشمل البرنامج فيلم «باب الشمس» بجزأيه «الرحيل» و«العودة»، من إخراج المصري يسري نصر الله والمأخوذ عن رواية الأديب الراحل إلياس خوري. يُعرض الجزء الأول في 26 كانون الأول، يليه الجزء الثاني في اليوم التالي. يروي الشريط قصة حب بين يونس، المقاوم الفلسطيني، وزوجته نهيلة التي بقيت متمسكة بقريتها في الجليل. وفي 29 كانون الأول، تقدّم «متروبوليس» تحية إلى السينما الموسيقية المصرية بعرض فيلم «خلّي بالك من زوزو» للمخرج الراحل حسن الإمام وبطولة الراحلة سعاد حسني. ويحكي الفيلم قصة فتاة تعيش صراعاً بين حياتها كطالبة جامعية وعملها الليلي كراقصة. أمّا في 30 كانون الأول، فيُعرض الشريط الروائي «همسات» للمخرج الراحل مارون بغدادي، الذي يرافق الشاعرة الراحلة ناديا تويني في رحلة إلى مناطق لبنان في الحرب الأهلية. إضافة إلى ذلك، يُعرض اليوم وفي 28 كانون الأول وثائقي «ثالث الرحابنة» للمخرجة اللبنانية فيروز سرحال، الذي يتناول حياة الموسيقي اللبناني الراحل إلياس الرحباني. وتُباع تذاكر أفلام «جواهر من الماضي» بسعر رمزي قدره 400 ألف ليرة لبنانية.
ومن 26 حتى 29 كانون الأول، تُخصص «متروبوليس» عروضاً مجانية لأفلام رسوم متحركة فرنسية للعائلات، تُعرض يومياً عند الساعة الرابعة عصراً. تشمل الأفلام: «يوكو وزهرة الهيمالايا»، و«نيكولاس الصغير: ماذا ننتظر لنكون سعداء؟»، والجزء الثاني من «صغير: الفك السفلي في نهاية العالم»، و«وحش في باريس».
إلى جانب الأفلام العالمية والمحلية التي ستُعلن عنها الجمعية في أوقات لاحقة، تؤكد زينة صفير أنّ «متروبوليس» ستبقى حاضنة للمهرجانات السينمائية وستواصل تنظيم مهرجاناتها الخاصة. كما كشفت أنّ شهر نيسان (أبريل) المقبل سيشهد مهرجاناً جديداً من نوعه في بيروت، يجمع الأفلام العالمية والمحلية، محتفظةً بالإفصاح عن باقي التفاصيل إلى وقتٍ لاحق.
أفلام افتتاح سينما «متروبوليس»: حتّى 30 كانون الأوّل (ديسمبر) – (مار مخايل، مقابل المرفأ، بيروت). للاستعلام: 01/202540

