مبروك أيها اللبنانيون... «جالكم» رئيس

استعاد الإعلام اللبناني مشهد جلسة 14 حزيران (يونيو) 2023 لانتخاب رئيس للجمهورية، لكن هذه المرّة بزخم أكبر، وبتضخيم واضح لصوت معسكر سياسي على حساب آخر. منذ نهاية العام المنصرم والجميع يتحضّر لجلسة التاسع من كانون الثاني (يناير). وضعت القنوات عدّاً تنازليّاً في زوايا شاشاتها، فيما تحوّل الإعلام إلى التركيز على الجلسة قبل أيّام منها، أي مع بداية الأسبوع، خصوصاً مع بدء زيارات ممثّلي دول «الخماسية». وانقلب المشهد الأربعاء والخميس، فغيّرت القنوات «ديكور» استديواتها ليتماشى مع الاستحقاق العتيد، وفتحت البثّ المباشر طوال النهار (في اليومَين)، وبدأت بعرض جداول تُظهر مجموع الأصوات التي يمكن أن ينالها قائد الجيش (قبل نيله لقب الرئيس) جوزيف عون، ودأبت على تحديثها لحظة بلحظة كلّما طرأ تطوّر على رأي إحدى الكتل النيابية أو أحد النوّاب.
منذ صباح أمس الخميس، فُتحت الاستديوات وانطلق البثّ المباشر والحوارات المرافقة له. وكان واضحاً ــ من اليوم الذي سبق ـــ أنّ الضيوف على القنوات كانوا بغالبيّتهم من معارضي المقاومة ومؤيّدي الغرب والولايات المتّحدة. وذلك سرى على كلّ القنوات تقريباً، من mtv وLBCI و«الجديد» إلى OTV و«تلفزيون لبنان». الخرق الوحيد كان لاستضافة خبراء دستوريّين ومتخصّصين في الإحصاء، أو مداخلات قصيرة لنوّاب من «حزب الله» و«حركة أمل» و«التيّار الوطني الحرّ» وبعض المستقلّين.
ومع بدء الجلسة، انتقلت كلّ القنوات السبع إلى بثّ مجرياتها مباشرةً، ثمّ لوصول الرئيس المنتخب إلى القصر الجمهوري، فيما انتقلت مساءً لنقل الاحتفالات وسرد سيرة الرئيس الجديد. وكان لافتاً انضمام «الميادين» إليها أيضاً، ناقلةً مجريات الجلسة، ومستضيفةً أسماء على اطّلاع بالشأن اللبناني طوال النهار.
حوّل الناشطون على
اختلاف توجّهاتهم السياسية، موضوع التدخّلات
الخارجية إلى مادّة للسخرية
استضافت «الجديد» بشكل متكرّر في الأيّام الماضية مدير «ستاتيستيكس ليبانون» ربيع الهبر نظراً إلى خبرته في الإحصاءات الانتخابية، وأقامت برامج حوارية مرافقة لبثّها المباشر ورسائل المراسلين، واستمرّت الحوارات ليلاً مع الإعلامي جورج صليبي. وأطلّ مراسلو القناة باستمرار في رسائل مباشرة من مجلس النوّاب وبيروت والقصر الجمهوري وغيرها من المناطق. أمّا LBCI، فأطالت نشرة أخبارها مساء الأربعاء إلى أكثر من ساعة، وهو أمر نادر جداً لدى القناة، نظراً إلى استضافتها خلال النشرة الخبير الدستوري سعيد مالك ومن ثمّ أخذها مداخلة من النائب ملحم خلف. كما سألت لبنانيّين عن آمالهم من الرئيس الجديد. وليلاً، بثّت حلقة من «حوار المرحلة» استضافت فيها رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» سامي الجميّل، وكانت قد أخذت مداخلة أيضاً من رئيس «التيّار الوطني الحرّ» جبران باسيل، بالإضافة إلى رئيس «الحزب التقدّمي الإشتراكي» السابق وليد جنبلاط قبل أيّام. وبعد انتخاب الرئيس الجديد الخميس، استضافت الصحافي نقولا ناصيف، كما كانت فعلت خلال جلسة 14 حزيران 2023.
وبثّت mtv حلقة من «صار الوقت» الذي يقدّمه مارسيل غانم، استثنائيّاً مساء الأربعاء، استضافت فيه «موزاييكاً» من الشخصيّات غالبيّتها من «14 آذار»، فيما كان ضيف البرنامج الأساسي مساء أمس الخميس ــــ وهو يوم عرضه المعتاد ـــــ رئيس «القوّات اللبنانية» سمير جعجع. ومع انتخاب الرئيس، اعتمدت القناة شعار «عودة الجمهورية إلى الجمهورية» وتركته على شاشتها خلال برامجها الحوارية بالإضافة إلى «برومو» يتضمّنها. أمّا OTV، فوضعت صورة الرئيس المنتخب في طرف الشاشة مع علم لبناني أمامه، وبثّت حلقات حوارية طوال النهار. وكذلك فعلت «المنار» وNBN و«تلفزيون لبنان»، فيما برز موقف مضحك على «المنار» بحيث تُركت الكاميرا تصوّر من مجلس النوّاب فيما كانت المداخلات عبر الهاتف في الخلفية، فظهر بعض الصحافيّين من دون علمهم بوجود بثّ مباشر.
وبالكلام عن المواقف المضحكة، فقد انتشر السجال الذي وقع بين النائبيَن سليم عون وبولا يعقوبيان بشكل واسع، على الشاشات كما على مواقع التواصل الاجتماعي. وركّز عدد من المنصّات «المستقلّة» على الهجوم على عون ونعته بـ«الذكوري» لما تفوّه به من تعابير، فيما هاجم بعض الحسابات يعقوبيان متّهماً إيّاها بالنفاق واستدراج السجالات كما عادتها للعب دور الضحيّة. أيّاً يكن، فالمؤكّد أنّ النائبَين أبيا إلّا أن يمنحا اللبنانيّين فاصل الترفيه الذي اعتادوه في كلّ جلسة لمجلس النوّاب. كما انتشرت لقطات أخرى أثارت السخرية، مثل تساؤل النوّاب حول كيفية كتابة اسم الرئيس واستخدام حرف الألف أو الياء، بالإضافة إلى بعض العبارات التي كُتبت على أوراق الاقتراع وقُرئت على الهواء، مثل «جوزيف آموس بن فرحان» و«فيصل بن فرحان» و«آخ يا بلدي» و«السيادة مش وجهة نظر» و«برني ساندرز» وغيرها. وبرز أيضاً مشهد نقل الكاميرا إلى وجه السفيرة الأميركية الحاضرة للجلسة خلال كلام النائبين أسامة سعد وحليمة القعقور اللذَين انتقدا التدخّلات الخارجية. وقد جمّع بعض القنوات والمنصّات هذه «الهفوات» ضمن تقارير موحّدة. كما استعاد الناشطون تلك المشابهة لها خلال جلسة انتخاب الرئيس السابق ميشال عون في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2016. وحوّل الناشطون أيضاً، على اختلاف توجّهاتهم السياسية، موضوع التدخّلات الخارجية إلى مادّة للسخرية.
أمّا الشاشات العربية والغربية، فأعطت خبر انتخاب الرئيس تركيزاً أكبر بقليل ممّا تعطيه عادةً للبنان، وكان لافتاً اعترافها بكون التوافق جاء بفضل تدخّل أميركي سعودي. ونقلت «العربية» و«الحدث» بعض مجريات الانتخاب، واستضافت أصواتاً لبنانية روّجت لسردية مفادها أنّ «محور المقاومة» انتهى في لبنان. أمّا «الجزيرة»، فلم تعطِ الأمر الكثير من الأهمّية نظراً إلى نقلها المجازر الإسرائيلية في غزّة التي ترتفع وتيرتها في الأيّام الماضية. من جهة أخرى، أعطى الإعلام الفرنسي أهمّيةً للانتخاب وبرز ذلك في عناوين نشرات أخباره وصحفه، وكذلك فعلت قناة RT الروسية الناطقة بالعربية. باختصار، يمكن القول إنّ المشهد الإعلامي يوم أمس الخميس كان تماماً مثل المتوقّع، ويمكن اعتبار جلسة الانتخاب نسخة ناجحة من مثيلتها السابقة في حزيران (يونيو) 2023.
الإعلام الغربي يُهلّل... ويدرس «ميزان القوى»
تناولت وسائل الإعلام الغربية عملية انتخاب الرئيس اللبناني الجديد جوزيف عون، بتركيز واضح على الأبعاد السياسية والإقليمية لهذا الحدث. ركّزت التقارير على دور القوى الدولية في «تسهيل» الانتخاب، وعلى دلالاته كخطوة لإنهاء الجمود السياسي في لبنان وسط أزمات اقتصادية وأمنية حادّة. كما ناقشت مدى تأثير هذا الانتخاب على توازن القوى الداخلي، خصوصاً بين المحاور المتنافسة، وآمال الإصلاح وإعادة الإعمار في بلد يواجه تحديات غير مسبوقة.
وكان لافتاً عنونة شبكة CNN تقريرها عن الحدث بـ«انتخاب قائد الجيش المدعوم من الولايات المتحدة رئيساً للبنان، منهياً بذلك جموداً استمر لسنوات». تحدّث التقرير عن تحوّل في التوازن السياسي في لبنان من المعسكر الإيراني إلى المعسكر الغربي، مع حصول الرئيس جوزيف عون على 99 صوتاً من أصل 128 في الجولة الثانية من التصويت في البرلمان، وسط مشاركة لافتة لـ«حزب الله» وحليفه «حركة أمل»، اللذين امتنعا عن التصويت في الجولة الأولى. مع ذلك، أشار التقرير إلى أنّ هذه النتيجة تعكس تحوّلاً في ميزان القوى الداخلية، مع «استمرار» التنافس بين النفوذ الغربي والإيراني.
من جانبها، أبرزت «فرانس 24» التغيّرات الأوسع في المنطقة، مشيرة إلى أنّ انتخاب عون يعكس تغيّرات في ميزان القوى داخل لبنان وفي الشرق الأوسط بشكل أوسع بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، وسقوط الرئيس السوري بشار الأسد في كانون الأوّل (ديسمبر) الماضي. ورأى التقرير أنّ الحدث اللبناني يشير إلى عودة النفوذ السعودي إلى لبنان، بعد سنوات من تراجع دور الرياض.
أما «واشنطن بوست»، فقد تناولت الدعم الدولي الذي تلقّاه عون، خصوصاً من الولايات المتّحدة التي ترى فيه شخصية قادرة على تحقيق الاستقرار. واعتبرت الصحيفة أنّ انتخاب عون جاء في وقت حسّاس، وفي مواجهة تحدّيات كبيرة، أبرزها تنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار بين «إسرائيل» و«حزب الله»، الذي يتطلب انسحاب القوّات الإسرائيلية ونشر الجيش اللبناني لتجنّب فراغ أمني. وأضافت الصحيفة أنّ انتخاب عون يفتح الباب أمام تشكيل حكومة جديدة قادرة على قيادة جهود إعادة الإعمار في لبنان، الذي يواجه خسائر تُقدّر بـ8.5 مليار دولار جراء الحرب، مع ضرورة تحقيق الإصلاحات المطلوبة دولياً.
بدورها، نقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» العبرية «ترحيب» «إسرائيل» بانتخاب جوزيف عون رئيساً للبنان، معبّرة عن أملها في أن «يسهم هذا الحدث في تعزيز الاستقرار في لبنان وتحقيق مستقبل أفضل لشعبه». وهنّأ وزير خارجية العدوّ، جدعون ساعر، لبنان على انتخاب رئيس جديد بعد فترة طويلة من الجمود السياسي، معرباً عن أمله في أن يكون هذا الانتخاب خطوة نحو «تحسين العلاقات» بين لبنان والكيان العبري و«تعزيز حسن الجوار»! وأوردت الصحيفة أنّ انتخاب الرئيس عون يمثل نقطة تحول سياسي بارزة، وأنّ عون، الذي حظي بدعم الولايات المتّحدة، «تعهّد بالعمل على حصر السلاح بيَد الدولة وإعادة إعمار المناطق التي دمّرتها الحرب، مع تعزيز العلاقات مع الدول العربية وسوريا».

