غسان سلهب شاهدٌ على حروبنا

يستمد فيلم «ما بعد» (غسان سلهب ــ 2007) المعروض على موقع «أفلامنا» لغته البصرية من الواقع بكل ما يتضمنه هذا الواقع من إشاراتٍ مبعثرة، وعلاماتٍ دالة، وقباحةٍ جمالية. وإذا كان لا بدّ له من أن يقول شيئاً فإنه ينطق شعراً. الظاهر أنّ سلهب يتمسّك بقواعد المونتاج حتى انقطاع النفس؛ فهو يبني على الشيء ونقيضه. الشعر مقابل الأخبار العاجلة والحصي والأسلاك الحديدية، الأبنية المنتصبة مقابل الحطام، الرغبة الحثيثة بالتحرك مقابل لافتة «ممنوع التجاوز». كل شيء يحوي نقيضه في «ما بعد» باستثناء شيء واحد: الانهيار، فليس هناك من ثبات. الواقع إبرة بنج تصبو إلى السم، فيما كل الشخصيات التي تطلّ علينا مصابة بالخدر والكآبة. أقصى ما يفعلونه هو التربص أمام التلفزيون لمتابعة نشرات الأخبار، والحال أنهم يتفرجون على موتهم في المشاهد المبثوثة. أما الجَماد الذي يشكّل «الطبيعة» في هذا الفيديو، فإنه بدوره مهزوز ومعرض للسقوط في أي لحظةٍ، باستثناء شيء واحد: برج «المرّ».
تستمر منصة «أفلامنا» في عرض فيلم غسان سلهب «ما بعد» (2006) حتى 29 من الشهر الحالي. الفيلم القصير الذي ينتمي إلى فئة الفيديو يتعامل مع حرب تموز 2006 بالخشونة نفسها التي طبعت تلك الحرب. فالأبنية المدمَّرة والمتصدعة لا تختلف بتاتاً عن شخصيات سلهب المتزعزعة التي تكاد أن تنهار وتسقط أرضاً. لدى هؤلاء خشية من الغَرق يعلنون عنها جهاراً، بيد أنهم غارقون في عزلةٍ جلفاء لا مكان فيها للوقت ولا لروزنامة الأيام. غارقون في متاهات جوّانية تفصح عنها وجوههم المكلومة، ونظراتهم المشتّتة التي تميل دائماً صوب وجهة البحر، وليست أصواتهم الخافتة عندما يبوحون سوى تعبير عن الأنين.
غسان سلهب في «ما بعد» لا يرتب المَشاهد تباعاً، كما أنه لا يبعثرها. لا يكشف عن مشهد عبر توريته لمشهدٍ آخر مثلاً، لا ينطلق من قصةٍ مثلما لا يتكئ على حوار. لا يلعب سلهب دور المخرج أكثر ما يتقمّص هوية السيميائي، فهو «يحاول» صناعة معنى وحالة، وليس مشهدية. تشحذ كاميرته لغتها من لافتة موجودة في الخارج، من خلاصة شعرية نابعة من الداخل، من عنصرين متناقضين يركنان بجانب بعضهما، من المفارقات، ومن أغراض غليظة مثل تلفزيون عتيق كثير التشويش، والعمارة القاسية، وجرافات كبيرة، ومعادن صدئة. ستشكّل «صورة» كل من الإسمنت، والجرافة، والجسور المدمَّرة، مشهداً لواقعٍ غليظ، فجّ لا تحتمل فجاجته. يقف برج «المرّ» وسط بيروت كنعشٍ من باطون، كتابوت. عدا عن كونه «متحفاً»- غير معلن عنه بعد- يحفظ تراث القتل الفظيع ويصون ذاكرة (؟) حروبنا، فليس لهذا البرج الشاهق من فائدةٍ سوى إسباغ «جمالية الحطام» على مدينةٍ، يعترف لنا سلهب منذ البدايةِ بأنها مسكونة بالخراب، وبرج «المرّ» كما سنقرأ في أسفل الشاشة، «شاهدٌ على حروبنا». بيد أنّ استقامة هذا البرج سرعان ما ستنهار. سيركز سلهب الكاميرا على جرافة تغمس مخالبها بالأرض لتزيل ركام الأبنية المقصوفة، وهو مشهد سيتكرر كثيراً، إلى حدّ يمكن اعتبار الجرافة البطل الوحيد في هذا الشريط. يأخذ سلهب من تلك الحرب فرصةً لا ليعيد تصوير أحداثها من جديد، ولا ليحكي عنها بالذات، فالفيديو تجريبيّ يفضل التعبير التجريدي على السرد وعلى المحاكاة الواقعية؛ إنه ينطلق من حرب تموز ليتوغّل في الحرب (بلام التعريف) وليقتفي أثرها باعتبارها اختباراً حادّاً ينطوي على تخبطاتٍ وجوديةٍ من الصعب تخطيها، ومن المستحيل أن تتمثل في الكلام.
صُوٍّر «ما بعد» بعدما انتهت حرب تموز، لكن كل ما نراه يشير أنّ لا شيء تغيّر فعلياً وخضع لتحولات، كأن ليس هناك من فاصل حقيقيّ يفصل بين المرحلتين: مرحلة ما قبل عن مرحلة ما بعد. يبدو أنّ زمن ما بعد الحرب هو نفسه زمن الحرب، وكأنه من المحتّم أن يتحوّل المكان إلى كارثة، ذاك أن زمن الكارثة يتحكم به. لقد سبق واستهل سلهب شريطه بهذه الجملة: «خراب حتى قبل الخراب نفسه»، أي إنّ الخراب قائم حتى قبل أن تبدأ الحرب، دالاً في اللقطة اللاحقة، إلى برج «المرّ»؛ الشاهد على حروبنا، على خرابنا. ثمة سيرورة للخراب فإذاً، وحضور الحرب لهو كشفٌ عن هذا الخراب. بات الخراب مرئياً، وصار الوقت التي قتلته الحرب، موضع تساؤل: «ماذا يعني أن يفقد الوقت طبيعته وأن نفقد علاقتنا معه؟».
يحيل القول بفقدان طبيعة الوقت والعلاقة مع الوقت إلى الساعة الذائبة في لوحة سلفادور دالي، كأن ساعة دالي الذائبة هي زمن الحرب في هذه المدينة القاحلة التي تشبه الصحراء المرسومة في تلك اللوحة. هناك ما يشبه الذوبان في «ما بعد». الحاضر غائب والمشهد المكتمل غير موجود. الزمن، زمن الحرب سائل ومتدفق، إذ إن الما قبل (الحرب) تتماهى حد الامحاء مع الما بعد، وحيث الدمار التي تعرضت له المدينة يطاول سيكولوجيّة سكانها الذين شهدوا على الحرب «ما أضيق الفرق بين ما يحدث في دواخلنا وبين ما يجري في العالم». حتى المَشاهِد في الفيديو تتعرض للذوبان: تتداخل الوجوه مع المدينة؛ الوجوه ثابتة لا تتحرك بينما نرى حركة ذهابٍ وإياب أفقية تحدث في الشوارع. يخيّل لنا أنّ واحداً منهما سوف يتلاشى ويضمحل: إما الوجوه أو المدينة، إلا أنّ الاثنين يذوبان ببعضهما ويتعرضان للاختفاء معاً. قد تكون هذه الوجوه قد تحوّلت إلى أشباح هائمة في المدينة، ولعلّ المدينة ليست سوى صورة مكثفة عن زمنين، الــما قبل والـما بعد، فيغدو النظر إليها لا هو تذكر (ماض) ولا تأمل (حاضر) إنما رثاء لموتٍ مجانيّ يشهد عليه مبنى شاهق ومستبد يقبع في وسط العاصمة.
يلج «ما بعد» إلى الهشاشة التي تنفجر كقنبلة في قلب المرء عندما تحصل الحروب، فيتشظّى واحدنا ويتفكك، ويجد نفسه عاجزاً لا عن التكلم فقط، بل عن فتح فمه وأقصى ما يمكنه فعله هو إغماضه لعينيه. يختصر سلهب فضاء الحرب في ما يمكننا تسميته بـ«العالق في مأزق» ويبني على هذا الموقف. إنها تلك الحالة التي تشعر بتشتت عارمٍ، بأنك تذوب مع الأشياء التي تحيط بك، لكنك في الآن عينه راسخ في مكانك غير قادر على الخروج من الباب. هذه بديهيات الحرب في كل الأحوال. ولأنها حرب، ولأن العدو دمّر فيها الجسور التي تربط الطرقات ببعضها، لم يعد في استطاعة الراغب الخروج والانعتاق من مأزقه لو أراد ذلك. يكرر سلهب مشهد الطرقات المقطوعة، يثبت الكاميرا على الجسور المدمرة في لقطاتٍ طويلة، وهو بذاك يريد خلق استعارة مفادها: جميع الطرقات هنا تودي إلى الحرب حتى ولو فتحت هذه الطرقات بعد حين، لأن الخراب حاصلٌ ومتفشٍ «قبل الخراب نفسه»، إنه الحاضر المعطلّ الذي لا يمكن ترميمه ولا القبض عليه، لأن الخراب/ الحرب، يكمن في جوهره. كأن هناك لعنة تصيب سكان هذه المدينة تجعل من العبور مستحيلاً. لعنة تزجهم داخل مكعبات إسمنيتة، بعضها متصدّع وبعضها الآخر مدمر، مأسورون هناك إلى حين نضوج طاعون الحرب الذي سيقضي عليهم تباعاً.
كل شيء يحوي نقيضه في فيديو «ما بعد» لغسان سلهب باستثناء: الانهيار، فليس هناك من ثبات، وباستثناء الجرافة أيضاً. فالسيارات في «ما بعد» تسير إلى الوراء بدلاً من سيرها إلى الأمام، والدراجات النارية تقف في منتصف الطريق. كل شيء معطلّ باستثناء الجرافة، ثم إنّ الجرافة تكمّل مهمات الحرب في زمن السلم. وبعد انتهائها من إزالة الركام الذي خلفته الحرب وراءها، ستبدأ عملها بردم البحر؛ البحر الذي يشي بأنه العنصر الوحيد الحيّ في «ما بعد»، والذي تعزله أسياج حديدية صدئة، وجدران إسمنتية ثخينة، عن مدينةٍ مقرونة بزمن الحروب، يتجهز للردم حتى يصير مقبرة يستقبل الغرقى.
* فيلم Posthumous على موقع «أفلامنا» aflamuna.org

