
«الموسيقى الصوفية» هي اللغة التي اختارتها فرقة «تجلّي» لتعبّر عن الحالة التي يعيشها العازفون، وتأخذ المستمع إلى عالم من التأمل والاندماج الكلّي. تعيد الفرقة تعريف الموسيقى كتجربة روحية، بعيدة عن الضجيج التجاري. ولدت فرقة «تجلّي للموسيقى الصوفية المعاصرة» من رحم المصادفة في منطقة الحمرا عام 2015: اجتمع أعضاؤها في ظل الحرب السورية التي أرخت بظلالها على لبنان. وبين النازحين السوريين الذين ضمتهم بيروت، كان هناك شعراء وفنانون وممثلون وموسيقيون. وبعد لقاءات وأحاديث موسيقية، وجد الشباب السوريون واللبنانيون أنفسهم متّحدين بحبهم للموسيقى التي تعبر عن الروح، فكانت «تجلّي» التي تعني «أعلى مراتب العشق والتصوف».
في حديثه معنا، يقول أحد مؤسسي الفرقة وعازف الكلارينيت فيها، طارق بشاشة، إن الفكرة بدأت مع ثلاثة أشخاص، سوريين ولبنانيين، ثم توسعت لتضم خمسة أعضاء. ألفوا مقطوعات موسيقية تعبر عن الحالة الصوفية، مستعينين بقصائد الحلاج وابن عربي وغيرهما. كانوا يسعون إلى تقديم تجربتهم في أماكن تعكس روح الموسيقى التي يؤدونها. ولهذا، اختاروا إقامة أولى حفلاتهم في مكتبة قديمة تقع في منطقة فرن الشباك في بيروت، حضرها حينذاك نحو عشرين شخصاً. هذه المكتبة، التي كانت منزلاً قديماً، شكلت انطلاقة متواضعة لرحلة امتدت على مدار عشر سنوات وتنقلت عبر المسارح والأماكن في لبنان.
تعمل الفرقة على تأليف بعض المقطوعات الجديدة وتسجيلها
نظراً إلى طبيعة الأوضاع المتقلبة في البلاد، اضطر بعض أعضاء الفرقة إلى السفر إلى الخارج، ليبقى من مؤسسيها اثنان فقط: عازف العود والمغني السوري الأصل زكريا العمر، وعازف الكلارينيت اللبناني طارق بشاشة. أما باقي الأعضاء الحاليين، فهم مازن زيادة (عازف الباص)، هادي الدادا (عازف الغيتار)، ومحمد عنتر (عازف الإيقاع).
بحسب بشاشة، لا يمكن أداء هذه الموسيقى في المطاعم أو الحانات، لأنها تتطلب حضوراً كاملاً وإنصاتاً عميقاً من المستمع، مع أجواء خاصة تشمل إضاءة محددة ومكاناً يتيح الانغماس في الرحلة، مثل موقع أثري قديم يحمل ذاكرة وتاريخاً. لذلك، غالباً ما تُقام أمسياتهم في المسارح والأماكن الأثرية في لبنان.
تعتبر الفرقة نفسها فريدة من نوعها في لبنان، إذ تكاد تكون الوحيدة التي تقدّم هذا النوع من الموسيقى الروحية، التي تُعزف في دول مثل تركيا، اليونان، إسبانيا، إيران، وغيرها. هذه الموسيقى ليست مجرد عرض تسويقي، بل تجربة عميقة لمن يسعى إلى فهمها والانغماس فيها. ويصفها بشاشة بأنها «طقس خاص» مستوحى من الطقوس الصوفية، يبدأ مع اللحظة الأولى للأمسية ويستمر حتى نهايتها.
ما يميّز «تجلّي» حرص أعضائها على خلق أجواء خاصة خلال عروضهم، تتسم بالإضاءة الخافتة والهدوء. هذا الاهتمام بالتفاصيل يجعل من كل أمسية تجربةً فريدة. كما يعتمدون على الارتجال، الذي يرونه وسيلة للتعبير العفوي والصادق عن المشاعر، ما يجعل كل أداء فريداً ومميزاً، ويمنح موسيقاهم طابعاً حياً ومتجدداً باستمرار.
يتحدث بشاشة بشغف عن صناعة الموسيقى، قائلاً: «لا نسعى إلى تقديم عرض بصري أو حماسي، بل نسعى إلى خلق رحلة من الصفاء والاتصال الروحي. نمارس الموسيقى التي نحبها، ونعبّر من خلالها عن رؤيتنا الخاصة، كممارسة لطقس روحي يُمتع المستمع ويأخذه إلى عوالم مختلفة». ويضيف: «فرقة «تجلّي» ليست مصدر رزقنا الأساسي. كل واحد منا لديه مهنته الخاصة، لكننا نعزف لأننا نحب ذلك. الموسيقى بالنسبة إلينا هي شغف وتعبير صادق عن أنفسنا، بعيداً من أي حسابات تجارية».
تهدف الفرقة، بحسب عازف الكلارينيت، إلى «توريط» الجمهور في الاعتياد على نمط الموسيقى الذي يقدمونه. تبدأ أمسياتهم بمقطوعات مختارة بعناية تستدرج المستمع للدخول في حالة من الانسجام والاندماج، كأنها محاولة لإيقاظ مراكز الطاقة (الشاكرات) لدى المستمعين خلال رحلة موسيقية تمتد ساعة ونصف الساعة.
لا يرى بشاشة أن جيل الشباب بعيد عن هذا النوع من الموسيقى، مشيراً إلى وجود شباب في الفرقة مثل هادي (عازف الغيتار) ومحمد (عازف الإيقاع)، اللذين كانا مستمعين قبل أن يصبحا عضوين فيها. تطمح الفرقة إلى إيصال موسيقاها إلى خارج الحدود، لتعيش تجربة «التجلي» مع الجمهور العالمي، بما في ذلك الجمهور الغربي. فرغم اعتمادهم على الروح الشرقية في التعامل مع آلاتهم، فإنهم يدخلون عناصر من موسيقى البلوز، ما يجعل موسيقاهم التي يطلقون عليها تسمية «الموسيقى الصوفية المعاصرة» تتفاعل مع الغربيين لأنهم يألفون آلات مثل الكلارينيت والغيتار.
أما عن مشاريعهم المستقبلية، فإن الفرقة تعمل على تأليف بعض المقطوعات الجديدة وتسجيلها، رغم التحديات المتمثلة في الإمكانات المحدودة وغياب الدعم من أي جهة رسمية أو خاصة. يأملون أن يتبنّى أحد هذا المشروع لتطويره ونشره على أوسع نطاق. فـ «تجلّي» ليست فرقة موسيقية فقط، بل هي نبض روحي يتجسّد في ألحان، وتجربة فنية تصبح فيها الموسيقى جسراً بين الحواس والسماء.

