ديفيد لينش: مُخرج الجنون والهذيان وروح أميركا المظلمة
كلّ فيلم من أفلامه هو سراب حلم منحوت من سيلولويد قابل للتلف، قصة حلم متعفّن، رعب خالص يكمن في مخلوق يشبه كابوساً مختبئاً في زقاق... رعب ندخله من أذن مقطوعة مرمية على الأرض، أو سرّ يُحفظ في مكعّب متعدد المعاني.


كلّ فيلم من أفلامه هو سراب حلم منحوت من سيلولويد قابل للتلف، قصة حلم متعفّن، رعب خالص يكمن في مخلوق يشبه كابوساً مختبئاً في زقاق... رعب ندخله من أذن مقطوعة مرمية على الأرض، أو سرّ يُحفظ في مكعّب متعدد المعاني. دخل المخرج الأميركي ديفيد لينش (1946 – 2025) إلى ظلمة العقل، في طيات الرعب الميتافيزيقي حيث تتوسع الرؤى والهلوسات إزاء عالم مغلق على نفسه، مع الأضواء الخافتة للتعبيرية، والضوضاء غير المرئية، والصوت المتواصل المزعج للرياح التي تحفّز الأفكار التي تتغذى على الذكريات العتيقة، في المناطق الطبيعية الخيالية التي تعزز العزلة. هنا تولد شخصياته لتصبح وحشاً صارخاً لامعاً، ينبض ويتحلل. يفحص لينش جدران المنازل ذات النوافذ المسدودة بالطوب، ويخترقها بنظره ليلاحظ الكائنات الحية في واقع مدمر.
عمل لينش على آليات الزمن عبر إعادة تكوين المساحات بالصوت، وبأشكال وخطوط غير مسبوقة، ودعانا إلى الدخول في هذا البُعد الذي لا يرحم، في لعبة من الاستعارات، في ثبات يؤكد على شعور الذعر. الذعر الذي نجده في «بلو فيلفيت» (1986ــــ Blue Velvet)، في ثبات رجل ميت واقف، بينما ندخل السر عبر أذن مقطوعة نحو هوس خانق يخترق عالماً تحت الأرض. يلوث لينش المناظر الطبيعية، ويحكي عالماً مريضاً غارقاً في مناخ من الذعر. ويحدث الشيء نفسه في «توين بيكس» (Twin Peaks)، حيث يتدفق السرد عبر الإضاءات والأحداث ذات المعنى المعلّق في بلدة صغيرة، ويُطرح السؤال الأشهر: «من قتل لورا بالمر؟».
عالم ديفيد لينش غريب، لكنه قريب من عالمنا، ينسجه بلغة سينمائية متاخمة للّاوعي والخيال والأحلام، التي تقوّض مخطط البداية والوسط والنهاية المحددة. تتعارض الصور مع منطق الأشياء في «إيريرزهيد» (1977ـــ Eraserhead)، مع قفزات في الزمان والمكان، وهي في الواقع، لا تظهر حتى على أنها قفزات، لأن منطق الزمان والمكان نفسه يُعدَّل عبر تصرفات الشخصيات، وعدم خطية الزمن. وفي «لوست هايواي» (1977ــــ Lost Highway)، العبارة التي تفتتح القصة، هي نفسها التي تنهيها أيضاً، لكن إذا كان فريد ماديسون (بيلي بولمان) هو الذي سمعها في البداية عبر جهاز الاتصال الداخلي في منزله، فإنه في النهاية هو الذي يقولها بنفسه، كأن نهاية الفيلم عادت إلى نقطة بداية القصة التي يتم سردها. وفي «أنلاند أمباير» (2006 ـــ Inland Empire)، يضيف فقدان الهوية انفصالاً مطلقاً، تماماً كما في «وايلد آت هارد» (1990 ـــ Wild at Heart)، حيث يشكل الفصام والازدواجية عوامل أساسية. ومع «الرجل الفيل» (1980، The Elephant Man)، تتحول هياكل الخيال نحو مجاز القرن التاسع عشر، ونحو وحشية تتحدى كل شيء، عن غريب فقير تحول إلى جاذبية مثيرة للاشمئزاز، في محاولة أخيرة ليصبح أخيراً، بالنسبة إلى الجميع، إنساناً.
من المدهش كيف وضع لينش قدميه بثبات في أرض أميركا في «قصة ستريت» (1999،The Straight Story)، الذي يعدّ قصيدة في مديح البطء وقصة اكتشاف مؤلمة وضرورية للذات قبل الضياع في نجوم السماء. ولكنه عاد ليغوص مرة أخرى في متاهات العوالم الموازية، بين ذكريات الماضي السائلة والهويات المراوغة في «مالهولاند درايف» (2001 ــ Mulholland Drive). في إحدى لقطات التلاشي في هذه المتاهة، التي تم تنظيمها وفقاً لمنطق الحلم، تكمن جثة متعفنة غرقت في «بوربون» بؤسها بلكنة لا تتناسب مع مظهرها الرومانسي الجميل الهش. من هنا يهبط بنا الفيلم إلى دوامة، إلى ذلك المظهر الأرضي للجحيم، الذي نطلق عليه اسم «هوليوود» متنكرةً في زي ديني زائف. «مولهولاند درايف» كابوس يستغرق ساعتين ونصف ساعة يحمل الكثير من الرمزية والمجاز، حيث يسجن لينش المشاهد داخله، من دون تبرير أي شيء، فالكوابيس لا تحتاج إلى تفسير.
مزج لينش سوريالية ماغريت ومان راي بواقعية إدوارد هوبر والصورة الشعبية للحياة اليومية لأميركا الريفية، وبث فيها روحاً مظلمة تشير إلى أنّ شيئاً غريباً يحدث. أفلامه خيال هذياني، تأخذنا إليه شخصيات أيقونية، وتفسح في المجال لمسار من الغموض لم ولن ينتهي. كثير من أعماله عبارة عن استيلاءات من فنانين وإعادة تفسير لأنواع سينمائية مختلفة، مثل الخيال العلمي، و«النوار» (Noir)، وأفلام الطريق والرعب، باستخدام الكليشيهات الرئيسية لهذه الأنواع بهدف تقويضها. طوّر لينش نوعاً من الواقعية المفرطة، وشكّل سينما بناءً على التناقضات والتشابهات بين الوهم والواقع، العقل والجنون، العالم الداخلي والخارجي، وعالم الكبار والأطفال. اسمه تحوّل إلى صفة، ودخل المصطلح التحليلي النقدي منذ عقود، فعندما نقول عن فيلم إنه «لينشي»، نعرف بالفعل ما نشير إليه.
مات ديفيد لينش أول من أمس، وترك عالماً يعتبره مزيجاً من الضوضاء والغرائب، تركنا ولا يزال يبيعنا جنونه، في أفلامه وموسيقاه وفنونه البصرية والأدبية، في لوحاته وأغانيه، في قناته على «يوتيوب»، حيث يتلاعب بعقولنا، عبر فيديوهاته القصيرة، وتوقعات الطقس، وحزازير الأرقام، أو ليعلمنا كيف نصلح بنطالاً مثقوباً. يجرفنا لينش ببساطة نحو عربدة صورة، هو أحاسيس لا محدودة، لعبة مرايا غير مرئية، يربط الأفكار بطريقة غريزية عاطفية، بدلاً من المنطق والتسلسل. إنه ببساطة لينش، قواعده مُلكه، فنان بما يكفي ليعرف أنّه لا يهم ما هو مهمّ، بل كيف يروى. لينش كان ولا زال وسيبقى يفعل ما يريد كيفما يريد... هو الذي قال مرةً «لديّ اتصال مع القمر».
