
بعد هجوم «حماس»، سارعت «غوغل» إلى تعزيز تعاونها مع القوات الإسرائيلية عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي. كيف أصبحت التكنولوجيا شريكاً في رسم معالم الصراع، وأي دور تلعبه الشركات الكبرى في هذا السياق؟
بعد عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، سارعت شركة «غوغل» إلى تعزيز تعاونها مع «جيش» الاحتلال الإسرائيلي عبر تقديم تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة. كشفت وثائق حصلت عليها صحيفة «واشنطن بوست» أول من أمس، أنّ «غوغل» لبّت طلبات «وزارة الحرب» الإسرائيلية للحصول على «المزيد من الوصول إلى تقنياتها»، مثل خدمة Vertex. أتت هذه الخطوة في معرض تنافس «غوغل» مع «أمازون» ضمن إطار مشروع «نيمبوس»، وهو عقد حكومي ضخم لتوفير بنى تحتية سحابية لإسرائيل. في الآتي، نستعرض ماذا يعني هذا كله.
قبل بدء الحديث عن تلك الخدمات واستخداماتها، لا بد من الإشارة إلى المعلومة الأهم في هذا الخبر هي أنّ إسرائيل سارعت ــ وعلى إثر هجوم «حماس» المفاجئ ـــ إلى الاتصال بشركة تكنولوجيا من أجل المساعدة. معلومة كافية لوحدها لخضّ الرؤوس وإعادة تشكيل معرفتنا عن كيفية عمل عالم اليوم. المهم، لماذا أرادت إسرائيل الحصول على تكنولوجيا Vertex؟ التمعن في ما تقدمه هذه الخدمة يشرح ذلك. يعتمد «الجيش» الإسرائيلي بشكل كبير على بيانات المراقبة، مثل الصور الجوية والبيانات الاستخباراتية التي يجمعها عبر الأقمار الاصطناعية والطائرات من دون طيار وأجهزة التنصت والتصوير والتحسّس المثبتة على الأعمدة والجدران. تتيح Vertex استخدام خوارزميات متقدّمة لتحليل كل هذه البيانات الضخمة واستخراج الأنماط أو تحديد الأهداف بسرعة تفوق الإمكانات البشرية. كذلك، تساعد في تحديد الأهداف بدقة أكبر، سواء كانت مواقع بنية تحتية عسكرية أو شبكات أنفاق أو منصات إطلاق صواريخ، ما يقلّص من الاعتماد على العنصر البشري في تحديد الأهداف، ويزيد من سرعة تنفيذ العمليات.
ثمانون في المئة من شركات الحوسبة السحابية الإسرائيلية يفضل العمل
خارج الكيان
كما يمكن لهذه الخدمة تحسين العمليات اللوجستية العسكرية مثل إدارة الموارد، ونقل الإمدادات، وتخصيص القوات، مع مراعاة الظروف المتغيرة على الأرض. باستخدام هذه التكنولوجيا، تمكنت «وزارة الحرب» الإسرائيلية والقيادة العسكرية من اتخاذ قرارات إستراتيجية بناءً على تحليل رقمي واسع للمعطيات، أي إنّ الذكاء الاصطناعي كان شريكاً في رسم معالم ما حصل في منطقتنا خلال الأشهر الماضية، والحديث هنا عن «شكل المنطقة».
في إحدى الوثائق التي حصلت عليها «واشنطن بوست»، أشار أحد موظفي «غوغل» إلى أهمية الإسراع في توفير الوصول المطلوب إلى خدمة Vertex لتجنب لجوء إسرائيل إلى خدمات «أمازون». أي رغم احتجاجات موظفي «غوغل» المتكررة (الأخبار 20 ك1/ ديسمبر 2023) ضد مشروع «نيمبوس» Nimbus بسبب مخاوفهم من استخدام هذه التقنيات لدعم الأنشطة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية التي تضر بالفلسطينيين، استمرت الشركة في توسيع نطاق تعاونها مع الجانب الإسرائيلي. ومشروع «نيمبوس» عقد ضخم أبرمته الحكومة الإسرائيلية مع شركتي «غوغل» و«أمازون» في عام 2021، ويهدف إلى إحداث نقلة نوعية في البنية التحتية التكنولوجية لكيان الاحتلال عبر توفير خدمات الحوسبة السحابية. يُعد هذا المشروع جزءاً من إستراتيجية شاملة لتعزيز قدرات المؤسسات الحكومية الإسرائيلية، بما في ذلك «الجيش» ووكالات الاستخبارات. كذلك، كشفت وثائق «واشنطن بوست» عن طلبات إسرائيلية للحصول على Gemini، وهي أداة ذكاء اصطناعي متقدمة من «غوغل» تهدف إلى تطوير مساعد ذكي (مثل تشات جي بي تي) لمعالجة المستندات والبيانات الصوتية.
في سياق متصل، كشف موقع «غلوبز» الإسرائيلي، أنه بعدما كانت «أمازون ويب سيرفيسز» (AWS) تخطط للتوسع في الكيان العبري بزيادة عدد مراكز البيانات، قررت الشركة التراجع عن هذه الخطط. يعود هذا القرار إلى توجه عدد كبير من العملاء نحو إدارة بياناتهم في الخارج، حيث يشعرون بالأمان والاستمرارية الاقتصادية «بعيداً من المخاطر الأمنية والقانونية التي تعانيها المنطقة». وكانت AWS التابعة لشركة «أمازون» قد حققت نجاحاً كبيراً في عام 2021 عندما فازت بجزء كبير من عقد خدمات السحابة الحكومية الإسرائيلية «نيمبوس»، بقيمة تقدر بـ1.2 مليار دولار. وجرى بموجب العقد إنشاء ثلاثة مراكز بيانات ضخمة في مواقع مختلفة في الكيان، بما في ذلك «شوهام» و«تنوفوت» ومنطقة «هار طوف» الصناعية قرب «بيت شيمش». لكن، رغم هذا الاستثمار الكبير، قررت AWS إعادة تقييم توسعها. لكن لماذا حصل ذلك؟
ولماذا يفضّل ثمانون في المئة من شركات الحوسبة السحابية الإسرائيلية تأسيس أعمالها خارج الكيان بحسب «غلوبز»؟ وفقاً لأحد المدراء التنفيذيين في شركة إسرائيلية كبرى صرّح للموقع، تخزّن شركته بياناتها في ايرلندا بسبب انخفاض التكاليف هناك و«ارتفاع كلفة استمرارية الأعمال مقارنة بإسرائيل». كما أضافت الرئيسة التنفيذية لشركة «إشناف لأنظمة المعلومات»، أولغا جانكين، أن شركات التكنولوجيا الناشئة والمبتكرة تفضّل تخزين بياناتها في الخارج لتقليص «مخاطر الهجمات السيبرانية والصواريخ»، و«الحفاظ على استمرارية الأعمال في ظل الوضع الاقتصادي والقانوني المتوتر». بكلمات أخرى، وبمعزل عما استطاعت إسرائيل تحقيقه خلال حرب الإبادة الأخيرة بالتعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى، إلا أنها لم تستطع حتى الآن إعادة الثقة وإقناع الشركات بوجود استقرار أمني. لهذا تهرب الشركات الإسرائيلية وبعض الشركات الغربية إلى الخارج. وهذا أمر بالغ الأهمية، خصوصاً أن إسرائيل كانت قبل أشهر فقط، تعد بمنزلة وادي السيليكون في المنطقة.

