
بعد ثلاث سنوات على عرض الموسم الأول، بثّت Apple TV+ باكورة حلقات الموسم الثاني من «سيفيرانس». على أن مدة الانتظار الطويلة على متابعي المسلسل كانت مثمرة ومبرّرة، فالموسم الجديد يكمل باقتدار فنيّ رفيع مسيرة الإبهار الذكيّ، التي قدّمتها دراما الموسم الأول عن الجوانب المظلمة للكوكب الرأسماليّ، والوظائف التي تدمّر صحّة العاملين العقليّة وتسقطهم في اغتراب عميق
ثمّة مسلسلات تلفزيونية أميركية وبريطانية وفرنسيّة عدة تناولت ثقافة العمل الحديثة في المكاتب الحكومية والشركات الكبرى. نجح بعضها (مثل Mad Men أو «المعتوهون» 2015-2007) في تجاوز سخافة الترفيه والإضحاك المبتذل لتقديم نقد فلسفي عميق وإن في صورة كاريكاتوريّة، للجوانب المظلمة من عالم التوظيف في النظام الرأسماليّ حيث اغتراب العامل عن عمله، والمزاج السايكولوجي الخانق للعلاقات في نطاق تراتبيات الإدارة، وبروتوكولات العمل البيروقراطيّ التي تتحوّل غرضاً بحد ذاته، ناهيك بتناسل ما أطلق عليه الفيلسوف ديفيد غرابير، عالم الإنثروبولوجيا الأناركي الرّاحل («الأخبا ر» 11/9/2020) وصف وظائف الهراء أو «بولشيت جوبس». وتشير هذه التسمية إلى ظاهرة الوظائف التي لا طائل من ورائها، والمفتقدة للمعنى والقيمة التي اجتاحت مكاتب العمل كما الوباء.
على أن «سيفيرانس» ( كتابة دان إريكسون ـــ إخراج بين ستيلر) أخذ ثيمة العمل في المكاتب الحديثة إلى مستوى أعقد في منهجيّة نقده للظاهرة الرأسماليّة عبر منتج عبقريّ شديد التميّز دراميّاً بحبكة صادمة غامضة، وشخصيات غريبة معقدة، ونصّ مذهل، وإنتاج بصري وسمعي متفوّق بكل المقياس، مع قدرة على الإمساك بتلابيب المشاهد في كل حلقة منذ الدقيقة الأولى وحتى نهاية الحلقة التاسعة الأخيرة.
لدى عرض موسمه الأوّل، لقي المسلسل شعبيّةً كبرى في الولايات المتحدة، ونُشرت عشرات المقالات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي في تفسير ثيمته الكليّة، والمعنى الثقافي/ الفلسفي وراء «لومن للصناعات» حيث تدور الأحداث: هل هي تجسيد للشركات كما في الواقع المعاش، أم استكشاف لتأثير الجماعات (الطائفيّة والحزبيّة) في الأفراد، أم محاكاة رمزيّة لحالة المجتمع الأميركيّ المعاصر كلّه؟
يتخذ «سيفيرانس» (والكلمة الإنكليزية تعني «الفصل التام» أو «القطع ») من أجواء العمل في أحد مكاتب «لومن للصناعات» فضاء أساسياً لموضعة السرد، وهي شركة أميركيّة للتكنولوجيا الحيوية يفترض أنها توظّف قوةً عاملة عالمية من مئة ألف شخص. تتمركز القصة حول يوميات فريق صغير من موظفيها العاملين في دائرة تدعى قسم «تحسين البيانات الكليّة» أو «القسم 501». تدير هذه الدائرة مهمةً غامضة لا يدرك غايتها لا الموظفون أنفسهم ولا المشاهدون، لكنّها تتطلب الجلوس أمام شاشات كمبيوتر طوال اليوم واختيار بعض الأرقام من جداول متغيّرة، من دون أدنى معرفة بما تمثله هذه الأرقام في بيئة عمل تبدأ صباحاً من موقف سيارات لا نهاية له، وصولاً إلى مصاعد تعمل بالبطاقات الممغنطة تسمح لمجموعة الموظفين الذين نتابعهم بالوصول إلى طابق محدد غامض تحت الأرض كأنّه متاهة لا نهاية لها من الممرات البيضاء الساطعة يتعيّن المرور بها قبل الوصول إلى مكتب مشترك تجاوره كافيتريا صغيرة. هناك يقضون سحابة نهاراتهم محدّقين في الشاشات التي أمامهم. الصورة خياليّة تماماً، لكن من دون أن يكون فيها أي شيء غير واقعي على الإطلاق.
وكما هي الحال في الكثير من الشركات الغربيّة الكبرى، تهيمن على الثقافة في «لومن للصناعات» فلسفة وأفكار مؤسسها الراحل (كير إيجان)، التي تحوّلت إلى ما يشبه ديناً رسميّاً يتضمن مجموعة ثابتة من المبادئ العقائدية والأخلاقية التي توجّه سير العمل في كل الحالات. تؤكد هذه المبادئ على أهميّة العمل كقيمة عليا، وتصوّر الشركة كعائلة كبيرة. لكنّ الواقع أنّ وراء هذه الكليشيهات ديكتاتوريّةً سلطويّةً مريضة، تشغّل هيكليّة مُحكمة للسيطرة على سلوكيّات العاملين، وتمتهن كرامتهم وإنسانيتهم، وتلغي أشواقهم وتفرّدهم.
لكن الرّعب الذي يصوّره «سيفيرانس» لا ينتهي بالمبنى الهائل الذي يذكّر بالمقرات المركزية للشركات الأميركيّة الكبرى مثل «أبل» و«غوغل» و«مايكروسوفت»، أو بعبثيّة المهمات الموكلة للموظفين، بل ينبع من اضطرار الساعين إلى الفوز بالوظيفة في هذا القسم إلى القبول بالخضوع لعمليّة «الفصل»: إجراء جراحي لزرع رقائق في أدمغتهم تقسّم وعيهم وذكرياتهم إلى كيانين منفصلين تماماً عن بعضهما: الأول مخصّص لوقت العمل داخل حرم الشركة أو innie، والثاني الذاكرة الأصلية للموظف التي تستعيد نشاطها بعد انتهاء يوم العمل أو outie. بمعنى أن الشخص في حياته الخاصّة لا يعرف شيئاً عن عمله، فيما هو أثناء دوامه في مقرّ العمل لا يمتلك أيّ فكرة عمّن يكون في حياته الخاصة. هكذا يخلق «الفصل» قوةً عاملةً منفصمة سهلة الانقياد. في العالم خارج مبنى «لومن للصناعات»، يعتبر نشطاء وصحافيّون فرض الشركة جراحة «الفصل» على موظفيها موضع جدل أخلاقيّ وشكلاً من أشكال العبودية. إنّه كالتعاقد من الباطن مع أشخاص يرسلون نسخة بديلة من أنفسهم إلى العمل في قطع جذري بين أقنوميّ العمل والحياة على نحو يخنق أي إمكانية للاحتجاج أو التمرّد. ويُفهم أنّ مصالح كبرى تدفع باتجاه تطوير تجربة «لومن للصناعات» إلى ممارسة تمتد إلى كل المجتمع.
مراقبة العمال وتدمير
وعيهم واقع يعيشه
الملايين منّا
تطورت الحكاية مع تقدّم الحلقات في الموسم الأوّل إلى تمرّد عمّالي داخل «القسم 501» بدأ من تجربة غامضة الدوافع لموظف تمت إقالته يدعى بيتي (يول فاسكيز) أجرى عمليّة جراحيّة لإزالة رقاقات «الفصل» ما لبثت أن كلّفته حياته. لكنّها أطلقت مزاجاً ثوريّاً انتشر بطرق مختلفة بين موظفي القسم الأربعة مارك (آدم سكوت) وهيلي (بريت لوور) وديلان (زاك شيري) وإيرفينغ (جون تورتورو). ومع دفع الفكرة إلى أقصاها، يبدأ المشاهد ــــ كلٌّ وفقاً لخبرته الذاتية في سوق العمل ـــــ بالتساؤل مع مارك ورفاقه حول حدود الفصل بين العمل والحياة، وهل من الأفضل فعلياً الانفصال نفسياً عن الوظائف الحقيرة وما تسبّبه من عذابات.
ما يخبرنا به المسلسل، في الواقع، أنّ الطريقة الوحيدة للهروب من اغتراب العمل ــــ انطلاقاً من الافتراض الذي يريد الغرب أن نعتنقه عقيدةً بأن الرأسمالية نظام الأشياء الطبيعيّ الذي يستحيل تغييره ـــــ ربما تكمن في إشراك نسخة بديلة منّا للقيام به نيابة عنا. وهي تشبه إلى حد بعيد تلك الشخصيات الوهمية المحسّنة ربما ـــ والمتعددة أحياناً ــــ التي ننشئها على مواقع التواصل الاجتماعي للهرب من ضغوط الحياة في مجتمعات الرأسماليّة المتأخرة، مع نتائج كارثيّة بالطبع على صحتنا النفسيّة.
الموسم الأوّل اختُتم بنهاية معلّقة صادمة من دون حسم الحكاية. لذا كان جمهور دراما المكاتب الأهمّ في السنوات الأخيرة على تشوّق لعودة آدم ورفاقه هذا الموسم تحت إدارة السيد ميلتشيك (تراميل تيلمان) لاستكشاف كيفية تعاملهم مع إجهاد الحيوات الموازية بين شخصياتهم خارج العمل وداخله بما في ذلك فضاءات الحب والجنس والعلاقات، وآفاق توسع دائرة الصراع الحتميّ الأبدي بين الطبقة البرجوازيّة الرأسماليّة والعمّال في أجواء الواقع المشوّه المُتخم بالأسرار والألغاز الذي ابتكرته «لومون للصناعات». ينتهي هذا الموسم بدوره إلى نقطة مفتوحة تسمح لفريق العمل بتطوير القصة مجدداً في موسم ثالث (وربما رابع) لأنّ الكثير من الأسئلة بقيت من دون إجابة كما وظهرت أسئلة جديدة.
اللافت والمؤكد أنّ نظرة المشاهد للحلقة الأخيرة من الموسم الأول ستتغير بعد متابعته للموسم الثاني، ما يدفع للاعتقاد بأنّ فهمنا للحلقة الأخيرة من هذا الموسم سيتغير أيضاً بعد متابعتنا للموسم الثالث، لا سيّما أنّ لا أحد يعلم أين سيأخذنا السرد تالياً. إذ إنّ «سيفيرينس» ليس مأخوذاً عن نص روائي محدد، وإن زعم بعضهم بوجود تأثيرات ملحوظة لأعمال الأديب الأميركي فيليب ك. ديك على بعض جوانب من فكرة دان إريكسون التي صاغها بعد تجربة ذاتية له مع وظيفة لم يستسغها مطلقاً.
بصرياً، أخذ المخرج بن ستيلر مع فريقه كل العناصر البصريّة المذهلة من الموسم الأول وحلّقوا بها إلى مستوى فني أكثر تأثيراً في الموسم الجديد.
عالم «لومن» شديد البرود عبر غلبة درجات الرمادي والأبيض على المبنى والديكورات والتجهيزات المكتبيّة مع تنويعات زرقاء (ربطات العنق، الفساتين، بالونات عيد الميلاد...)، فيما العالم خارج «لومن» غرائبي غارق إلى ما لا نهاية بمزاج شتوي مع تأطير عبقريّ لتناسقات المنازل والشوارع والأضواء والظلال وراء النوافذ.
وكما كانت الموسيقى أحد أبرز عناصر الموسم الأول، استمرت كأداة تعبير أساسيّة في الموسم الثاني مع اكتسابها حياة جديدة: إذ استمرت الإيقاعات المألوفة، لكنها تعزّزت بشعور إضافي من الإلحاح، مع مزيج من المرح والعويل في كل لحظة موسيقيّة، واختلاط بين الرهبة والحقد في كل مقطع.
بالطبع، فإنّ الاشتغال المحترف على كل عناصر الإنتاج هذه يظلّ مجرد خلفيّةً لعبقرية القصة ذاتها، وعمق شخصياتها المتعددة الأبعاد التي جعلت من دراما المكاتب الأحدث انتصاراً كبيراً لفن المسلسلات التلفزيونية الأميركي حيث يبدع «سيفيرانس» في رسم ديستوبيا خياليّة، إلا أنها انعكاس شديد الواقعيّة، في صورة كاريكاتورية تشعل الفكر وتدفع للتأمل في الجوانب المظلمة من عالم العمل في الكوكب الرأسماليّ كمراقبة العمال والسيطرة على وقتهم وتدمير وعيهم، وفي كذبة التوازن بين العمل والحياة، والبيروقراطية وبروتوكولات العمل التي تتحوّل غرضاً بحد ذاته، والعلاقة المضطربة سيكولوجياً بين الإدارة الوسطى والعمّال، وتأثير التكنولوجيّات المتقدّمة في العلاقات الإنسانيّة، والبحث في فلسفة الذاكرة، و«جوهر» الإنسان ومعنى وجوده كعقل مقابل الجسد، إلى جانب اختبار فكرة استعادة العمّال للسلطة، وانتشار «وظائف الهراء» عديمة القيمة، والسعي إلى فرض ثقافة مركزيّة مصطنعة في إدارة «السعادة» داخل الشركة بهدف نهائيّ يخدم حصراً استمراريّة الإنتاج بأقل التكاليف الممكنة وتعظيم فائض القيمة الذي يستخلص من العمال، لا رفاهم قطعاً.
هذا كلّه أيها السادة ليس مجرّد خيال أبدعه فريق «سيفيرانس»، بل واقع يعيشه الملايين منا في العالم الحقيقي، وهو تحديداً ما يجعل من هذا المسلسل مشاهدةً مثيرة للهلع، رغم كل برود المكاتب العجيب فيه.

