
يتعاطى مؤسّس «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان» رامي عبده مع الصورة الفوتوغرافية بصفتها وثيقةً تحوي قرائن تتيح فضح ما يستحقّ الإدانة وتثبّت ما لا يمكن نقضه.
على حسابه الخاصّ على إكس، يوثّق يوميّاً الانتهاكات الإنسانيّة التي يتعرّض لها الفلسطينيّون من قبل جنود الاحتلال، كأنّه يريد من حسابه أن يكون بمنزلة متحفٍ يُؤرشِف الفظاعة الإسرائيلية، ووسيطاً ينقل التوحّش الصهيونيّ، تحديداً ذاك الممارس على الجسد الفلسطيني.
من ضمن ما ينشره عبده على إكس صور الأسرى الفلسطينيين المُحرَّرين من سجون الاحتلال. غير أنّه يلعب لعبةً سياسيّةً لأنّه يعلم أنّ الصورة الفوتوغرافية تجيز الكشف عن الرعب الكامن داخل السجون المغلقة، وهذا هو مراده.
ينشر عبده صور الأسرى المُحرّرين لكنّه يرفقها بصورٍ أخرى تُظهر هؤلاء قبل أسرهم، أي في حياتهم العادية، وهم يقفون أمام باحة المنزل مثلاً، في حديقةٍ، أو في أماكن أخرى «خارجيّة» على عكس السجن وفضائه المنكمش.
يضع عبده الصورتين ويقابلهما ببعضهما: أمامنا صورتان لشخصٍ واحدٍ، كلُّ واحدةٍ منهما تحيل إلى لحظةٍ زمنيّةٍ معيّنة، واحدة تعود إلى زمن الماضي، قبل دخول هذا الشخص إلى السجن عندما كانت هيئته بشريّةً تماماً، بينما الصورة الأخرى تنتمي إلى الوقت الراهن، فنراه أشبه بجثّةٍ متحرِّكةٍ لولا القليل من اللحم الذي يكسو عظامه.
الشخص الذي نراه لم يعد (يشبه) نفسه على الإطلاق، بل يبدو كأنّه تعرّض للمسخ... للتحوّل. لم يعد موضوع الصورة هنا هو الأسير الذي تحرَّر، بل بات موضوعها ينطوي على سؤال: ماذا حلَّ بهذا الإنسان؟ وعلى وجه الدقّة: ما الذي تعرّض له هذا الأسير؟
لكن فور تذكّر الناظر أنّ الحاضر أمام عينيه هو أسيرٌ محرَّرٌ، سيجد نفسه يعاين ما كان يخشاه كلّما جالت في خاطره مسائل من قبيل: ما الذي يحدث داخل السجون؟ ذاك أنّ خيطاً زمنيّاً يتخلّل الصورتين غائبٌ عنّا، لا تنقله الصورتان إنّما متروكٌ لنا أن نستنتجه، جرت فيه كل تلك التحوّلات التي أودت بهذا الشخص إلى ما صار عليه.
على أنّ هذا الخيط الزمنيَّ مرهونٌ بالمكان، أي بالسجن، الذي لا يعرف زمناً سوى التعذيب وتكرار التعذيب. جزءٌ من المهمات المَنوطة بالصورة هو تخليد الأثر وجعله غير قابلٍ للمحو أو حتى الشكّ في أمره. يحفظ جسد الأسير الفلسطينيّ التعذيب الذي تعرّض له كبصمةٍ دامغةٍ تروي المحظور الحاصل سرّاً في الغُرف السرّية المقفلة.
الصورة تحفظ ما حفظه الجسد. عدا عن الكدمات الناجمة عن الضرب، والبشرة المتورِّمة إثر الأذى والجَلد والصعق الكهربائيّ، نجد أعراضاً أخرى تلمُّ بالأسرى ويشتركون بها جميعهم: الوجه النحيل كأن صاحبه خرج للتوّ من عالم الأشباح، والهيئة الهزيلة التي توحي بالتقهقر والخوار. وهذا يجعلنا نستشفّ أنّ ثمة أسلوباً آخر من التعذيب لا يتعلّق بالاعتداء المباشر، بل عنفاً يطاول صحّةَ الأسير؛ اعتداءً بيولوجيّاً: التجويع.
لعلّ صورةَ الأسير المحرّر محمّد أيّوب الرجابي هي التعبير الأبلغ عن التجويع كأسلوب إماتة. الثياب التي تناسب مقاس صاحبها تبدو فضفاضةً جداً، البشرة سوداء شاحبة، الأكتاف مُحدودبة والعيون تلتصق بالجبين، هذا الجسد يعجز عن إخفاء علَلِه. يقف محمّد أيّوب الرجابي في الصورة كأنّه يقف على شفير الهاوية، كمن يوشك على السقوط بسبب فقدانه التوازن. لم يكن الرجابي مترهِّلاً أو هشّاً في السابق. ننظر إلى صورته قبل أسره فننظر إلى رجلٍ يمتاز ببنيةٍ صلبةٍ قادر على الوقوف بشكل مستقيم.
من الأجدى ألّا تقتصر وظيفة هذه الصور على إثارة التعاطف فقط، إنّما الدفع نحو التحريض. إنّها ليست المرّة الأولى التي نتعرّف فيها عن كثب إلى أخلاقيات الاحتلال المروّعة وأدبياته المرعبة، لكنّها المرّة الأولى التي نرى فيها فلسطين، وغزّةَ خصوصاً، متجسِّدةً بهيئة رجل. صورةُ الأسير المحرَّر الذي تعرّض للتجويع تُمثّل حالة مدينةٍ جائعة اسمها غزّة.
صورة الجائع لهي محاكاةٌ لواقع غزّة المحاصرة، التي منعت عن الطعام لمدّة عام ونصف عام كأسلوب من أساليب الإبادة. إلى جانب القنبلة والدبّابة، ينحو الاحتلالُ صوب المعدةِ الفارغة التي ستنتقم من صاحبها في نهاية المطاف. هيئات الإغاثة العالمية ومنظمات حقوق الإنسان تُصاب بسدة النفس، بانعدام الشهية أمام طبق الدناءة هذا.
يموت الفلسطينيُّ جوعاً، فيحيا صهيونيٌّ آخر مكانه. ثمّة من يعتاش على الجثث التي قضت نحبها من فرط الجوع. ليست هذه الإبادة سوى شكلٍ من أشكال الكانيبالية المعاصرة: هناك من يشعر بالتُخمة من فرط القتل، وهناك من يموت جوعاً. صور الأسرى المحرّرين وثيقةٌ تؤكِّد هذه الفاجعة.

