بين ذكرى اغتيال رفيق الحريري وأحداث المطار | الإعلام المهيمن مردّداً السردية الأمــيركية

كما في كلّ عام، تبدّل المشهد الإعلامي اللبناني تماشياً مع ذكرى اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في 14 شباط (فبراير) 2005. غير أنّه اختلف هذا العام بحجمه ليتلاءم مع حجم الفعاليّة التي أُطلقت للذكرى العشرين. وكما العادة، لم يخلُ الأمر من الرسائل السياسية، بل يمكن اعتبار أنّه إذا كانت مبطّنة في السنوات الماضية، فقد أصبحت علنيةً ونافرة هذه المرّة، مع التحوّل الذي تشهده السردية الإعلامية في الآونة الأخيرة. ويبدو أنّ بعض الإعلام المهيمن ينتظر الأحداث الكبرى لإفراغ ما في جعبته من استغلال سياسي وأجندات سامّة.
انطلق صباح الجمعة بالنقل المباشر واستضافة السياسيّين والمحلّلين والصحافيّين في الاستديوات، وجلّهم من أصحاب الهوى الأميركي والخليجي، إضافة إلى شخصيّات من «تيّار المستقبل»، ولا سيّما على «الجديد» وmtv وLBCI وOTV و«تلفزيون لبنان». هو أمر متوقّع بما أنّ هذه هي الحال مع مختلف الاستحقاقات منذ مدّة، فكيف بذكرى مثل هذه! لكنّ التسليم بالأمر يعني التسليم بالسردية الأميركية حول اغتيال الحريري، بدلاً من اتخاذ مسافة واحدة من الجميع، ولا سيّما أنّ الرئيس الشهيد كان من دعاة هذا المنطق.
وتركّز النقل المباشر ظهراً بشكل خاصّ، ليس فقط أثناء كلمة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، بل قبلها وبعدها كذلك، بحيث أرسلت القنوات مراسيلها لتغطية الحدث الذي حضرته حشود كبيرة، آخذةً «السكوبات» من المشاركين، إضافة إلى رسائل المندوبين. وغطّى الخبر نشرات أخبار الظهيرة التي ركّزت عناوينها على قول سعد الحريري «كلّ شي بوقته حلو» في إشارة إلى عودة تيّاره إلى الحياة السياسية، بينما أفسحت LBCI مساحةً للحديث عن الوضع في الجنوب وممارسات الاحتلال. ومساءً، تصدّر الجنوب نشرة أخبارها، فعرضت تقارير من هناك، وخصوصاً لمراسلها إدمون ساسين، إضافة إلى تناولها قضية منع هبوط الطائرات المدنية الإيرانية في مطار بيروت، بحيث تعاطت مع الأمر بصفته ضغطاً إسرائيلياً أميركياً غير مبرّر، على عكس وسائل إعلام أخرى هلّلت للموضوع وبرّرته. وبعد نشرة أخبارها، عرضت وثائقيّاً عن الرئيس الشهيد وحياته السياسية وظروف اغتياله، خلص ـــ رغم تنوّع معلوماته ـــ إلى أنّ الاغتيال خطّط له «حزب الله» ونفّذه.
من جهة أخرى، خصّصت «الجديد» حلقةً برنامج «سيرة وكملت» الذي يقدّمه الإعلامي زافين مساء الجمعة للمناسبة، وانتقلت خلاله للنقل المباشر بعد تعرّض موكب نائب القائد العام لليونيفيل لإحراق آليّاته على طريق المطار، بينما خصّصت mtv للحدث فقرةً في برنامجها «كلّ القصّة» الذي تقدّمه أنابيلا هلال.
جوقة تتولى التحريض على صفحاتها، وغالبيّتها برّرت المجازر الصهيونية بحقّ لبنان
وكانت «الجديد» قد وظّفت معظم مقدّمة نشرة أخبارها للحدث وملأتها بكلام من خطاب الحريري الابن، وكذلك فعلت mtv التي بثّت مقدّمةً مليئة بالتحريض السياسي. وممّا ورد فيها: «الذكرى جاءت بعد سقوط المنظومة الأمنية العسكرية السياسية التي اغتالت رفيق الحريري، وتحديداً بعد انهيار النظام السوري وهروب بشّار الاسد بطريقة مذلّة، وبعد نكسة كبرى أصابت «حزب الله» والنظام الإيراني نتيجة رهانات خاسرة، ونتيجة المبالغة في ممارسة سياسة الاستقواء والغلبة في لبنان والمنطقة».
وربطت بين توجّه الرئيس سعد الحريري في خطابه إلى جمهور المقاومة وقضية المطار الذي اتّهمت «مسلّحي حزب الله» بقطع طريقه، فأوردت: «كلمة الحريري، وإن لم تكن قاسية شكلاً، لكنّها في المضمون حملت أكثر من معنى سياسي، وخصوصاً عندما دعا رئيس «تيّار المستقبل» أهل الجنوب والبقاع والضاحية إلى كسر أيّ انطباع سابق بأنّهم قوة تعطيل واستقواء وسلاح. لكن ما يحصل على الأرض لا يوحي البتّة أنّ «حزب الله» في وارد التخلّي عن السياسة التي يتّبعها. فهو اليوم عاد إلى قطع السير على طريق المطار القديمة تحت جسر الكوكودي، احتجاجاً على التدابير التي تُتّخذ تجاه الطائرات الإيرانية. فهل مسموح أن يبقى مطار رفيق الحريري الدولي تحت رحمة مسلّحي «حزب الله»؟ وهل مسموح أنّ كلّ قرار تتّخذه الحكومة وتنفّذه القوى العسكرية الشرعية، يلقى ممانعة من قوى عسكرية غير شرعية؟».
هكذا، تغاضت القناة عن التهديد الإسرائيلي لدولة يُفترض أنّها ذات سيادة، فلم يزعجها الأمر، وذهبت إلى تبنّي المنطق الغبي الذي يعتبر كلّ ما تتّخذه الحكومة من قرارات بمثابة فتاوى منزلة من السماء لا يمكن أن تكون خاطئة.
أمّا مقدّمة «المنار»، فتناولت قضية المطار بطريقة صحافية بحتة، بينما أوردت في مقدّمتها حول ذكرى اغتيال الحريري: «بمعيار المصلحة الوطنية كان كلام رئيس «تيّار المستقبل» سعد الحريري عن العودة إلى الساحة السياسية خلال إحياء الذكرى العشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، مؤكّداً أنّ صوت «المستقبل» سيكون حاضراً في كلّ الاستحقاقات. وعن الاستحقاقِ الصعب الذي مرَّ على لبنان خلال العدوان الصهيوني، قال الحريري إنّه ينحني أمام كلّ الشهداء من أهلنا في الجنوب والبقاع وبيروت والضاحية وكلّ المناطق، وإنّه يرفع رأسه بالتضامن الذي عبّر عنه اللبنانيّون خلال الحرب، وقالوا بالفعل وليس بالكلام: لبنان واحد واللبنانيّون جسم واحد».
من جهتها، أوردت OTV: عشرون عاماً كان يُفترض فيها أن نكون اليوم في دولة. لكنّ سلسلة الأخطاء التي ارتُكبت على مدى عقدَين من الزمن، كرّست وطن الأرز ساحة تنافس ونزاع سياسيَّين وعسكريَّين بين محاور الإقليم وحتّى العالم، وصولاً إلى حرب الإسناد وعودة الاحتلال الإسرائيلي بعد ربع قرن على التحرير، وسط لغط حول مصير المهلة الممدّدة إلى الثلاثاء المقبل».
على منصّات التواصل الاجتماعي، تبقى الجبهات مشتعلة. ولئن تصدّرت هاشتاغات متعلّقة بذكرى الحريري شارك فيها لبنانيّون من مختلف التوجّهات، إلّا أنّ الأمر عاد واختلف مع تصدّر خبر التعرّض لموكب اليونيفيل، وهو ما أعاد تجديد الاشتباكات الافتراضية التي كانت قد اندلعت بعد قرار منع الطيران الإيراني، بحيث يعتبر كلا الطرفَين المتصارعَين أنّهما يدافعان عن السيادة، فيما تتولّى جوقة إعلامية التحريض على صفحاتها، وغالبيّتها ـــ للمصادفة ـــ ممّن كانوا وما زالوا يبرّرون المجازر الصهيونية بحقّ لبنان.

