غابرييل ماسكارو: ديستوبيا برازيلية عن التوحّش الرأسمالي
لقد تركت أربع سنوات من حكم الرئيس اليميني المتطرّف جايير بولسونارو بصماتها على البرازيل، من دمار اجتماعي وبيئي وغيرهما.


برلين | لقد تركت أربع سنوات من حكم الرئيس اليميني المتطرّف جايير بولسونارو بصماتها على البرازيل، من دمار اجتماعي وبيئي وغيرهما. لذلك، كان لدى المخرج البرازيلي غابرييل ماسكارو، أسبابه الوجيهة لـ «رسم » فيلم يحوي كل الاستعارات الممكنة لتلك المدة بفرشاة عريضة.
في فيلم «المسار الأزرق» الذي عُرض ضمن «مهرجان برلين السينمائي» الحالي، يتأمل ماسكارو في التجاوزات التي قد تُقدم عليها الأنظمة الليبرالية الجديدة والرأسمالية الجامحة في حال تُركت لفعل ما تريده.
تدور أحداث فيلمه الروائي الرابع في مستقبل غير محدد، لا يبدو مستقبلياً للوهلة الأولى، لأنّه يشبه العالم الذي نعيش فيه اليوم، ولكن الأحداث الغريبة التي ستحدث، تؤكّد أننا في عالم ديستوبي.
تزور تيريزا (دينيس وينبرغ) مسؤولة حكومية، وتعلّق على باب منزلها إكليلاً ضخماً، وتقدم لها ميدالية، لأنّ تيريزا بلغت الـ77 عاماً وبالتالي فهي «تراث وطني حيّ».
لكن سرعان ما يتضح أنّ هذا الإنجاز العمري، ليس إلا شكلياً، لأن الحكومة تريد إبعادها عن الطريق حرفياً، مثل جميع كبار السن، الذين بلغوا الثمانين، يُنقلون إلى مستعمرات خاصة لكبار السن حتى لا ينخفض أداء العمل لدى الشباب، فالنمو الاقتصادي أكثر أهميةً من أي شيء آخر.
«إعاقة الإنتاجية» ليست مجرد عبارة شائعة، بل جريمة جنائية. هكذا، تُبلَّغ تيريزا بأنّه تم خفض الحد الأقصى للعمر إلى 77 عاماً، ما يعني أنّ لديها فقط سبعة أيام للذهاب إلى المستعمرة وتمضية بقية حياتها هناك. ويبدو أنّ ابنتها لا تجد مشكلة في وداع والدتها، لكن تيريزا ترفض ببساطة قبول مصيرها، لذلك تفعل ما في وسعها لتحقيق حلمها الأخير على الأقل، وهو الجلوس على متن طائرة والطيران! تمرّدت تيريزا، تجولت في الشوارع، وأبحرت على طول نهر الأمازون، والتقت قباطنة بحريّين وراهبات غير مؤمنات.
حاولت تحقيق حلمها حتى التقت بروبيرتا (ميريام سوكارّاس)، راهبة في سنّ تيريزا. لا تؤمن الراهبة بالدين لكنّها تبيع الأناجيل الرقمية، وقد اشترت حريتها بالمال وباتت تتنقل بلا هدف من قرية إلى قرية في قاربها. هذا اللقاء سيغيّر حياة تيريزا، وتصبح رحلتها رمزاً للشوق والحرية.
يقدّم ماسكارو في «المسار الأزرق»، تحليلاً اجتماعياً سياسياً، مظهراً كيف تغزو الدولة والقانون العلاقات الأسرية ومفهوم الإنسانية ذاته وتشوّهها. ضبط ماسكارو فيلمه بقوة بصرية ونصّ مصقول وأدخلنا عالماً من التصوف، من دون إهمال الفكاهة في فيلم درامي في المقام الأول.
عمل ماسكارو بدقة على إخراج التفاصيل في كل مشهد من أجل بناء مناخ من القمع الدائم، بحيث ينقل لنا الإحساس بالسيطرة والاختناق في كل مشهد.
يبدأ «المسار الأزرق» كهجاء ديستوبي، يفقد في بعض الأماكن استعاراته الواضحة، لكنه يسير بحزم. وفي حين ينتهي بملاحظات هشّة وغير مقنعة، تبث الطائرات التي تحلق في السماء رسائل يومية إلى السكان، تؤكد بأنّ «المستقبل للجميع». لكن للأسف، لم تكن تلك الحال لكبار السنّ الذين خرجوا من دورة الإنتاج!
