ريتشارد لينكليتر: «القمر الأزرق» يكتسح كل شيء
إحدى عشرة سنة مرّت منذ أنّ فاز المخرج الأميركي ريتشارد لينكليتر بجائزة الدبّ الفضي في «مهرجان برلين» عن فيلمه Boyhood.


إحدى عشرة سنة مرّت منذ أنّ فاز المخرج الأميركي ريتشارد لينكليتر بجائزة الدبّ الفضي في «مهرجان برلين» عن فيلمه Boyhood. أتاح لنا العمل مشاهدة الشخصيات (والممثلين)، يكبرون على الشاشة، لأنّ المخرج صوّر معهم على مدى اثني عشر عاماً. كان شريطاً تجريبياً وطموحاً. ينطبق ذلك على فيلمه الجديد المشارك حالياً في مسابقة «مهرجان برلين»، فـ «القمر الأزرق» (Blue Moon)، ذو إطار تجريبي، يحدث في مكان واحد (تقريباً) فقط، وليلة واحدة.
رودجرز وهامرشتاين اسمان يصعب على خبراء الموسيقى ومحبّيها تخيّلهما منفصلين. منذ انطلاقتهما في المسرحية الغنائية «أوكلاهوما!»، عمل الملحن ريتشارد رودجرز وكاتب الأغاني أوسكار هامرشتاين الثاني معاً لمدة عقدين.
أثمر هذا التعاون عدداً من المسرحيات الموسيقية الناجحة ذات التأثير الثقافي الشعبي الكبير، بما في ذلك «صوت الموسيقى». من السهل تحويل هذا النجاح الكبير إلى فيلم سيرة، لكن ريتشارد لينكليتر مخرج ثلاثية «قبل الشروق» (1995)، و«قبل الغروب» (2004)، و«قبل منتصف الليل» (2013)، ليس مهتماً بصعود الثنائي الشهير، بل بسقوط العضو الثالث المنسيّ غالباً لورينز هارت، الذي كان الشريك الإبداعي لرودجرز وكتب له كلّ المسرحيات والأغنيات قبل أن يحلّ هامرشتاين الثاني مكانه.
يبدأ فيلم «القمر الأزرق» عام 1943، مع وفاة هارت.
ينهار ببساطة في زقاق مهجور في مانهاتن تحت المطر الغزير، ويموت بعد أربعة أيام في المستشفى. وفاة كلاسيكية تقريباً كأنها خارجة من فيلم «نوار».
الفرق الوحيد أنّ الموت هنا لا يحدث برصاصة، بل بسبب إدمان الكحول والالتهاب الرئوي الحاد. يجلب هذا المشهد الافتتاحي نهايةً مظلمةً ومأساويةً للحدث الذي سنشاهده في الفيلم عشية 31 آذار (مارس) 1943، وتحديداً ليلة افتتاح المسرحية الموسيقية «أوكلاهوما!» التي شكّلت أول تعاون بين رودجرز وهامرشتاين، وانفصال الأول عن هارت.
لم يستطع لورينز هارت (أداء رائع من إيثان هوك) تحمّل المسرحية لوقت طويل. خرج من المسرح إلى بار إيدي (بوبي كانافالي). يبلغ هارت 47 عاماً، يبدو كبيراً في السن، قصيراً، أصلع جزئياً، رقيقاً، ذكياً، مثيراً للشفقة أحياناً، أنثوياً، ذكورياً، ربما مثلياً، أو كما يصف نفسه، متعدّد الجنس. لكنه لا يزال خطيباً لامعاً يمكنه إلقاء الكلمات والجمل الذكية بعفوية. يمضي بقية السهرة في البار، يأتي الجميع من بينهم رودجرز (أندرو سكوت).
وعلى مدار الأمسية، يسمح هارت لنفسه بأن يأسرنا بذكائه الخطابي مراراً وتكراراً. إضافة إلى المحادثات حول الفن، وانفصال هارت ورودجرز ومسرحية «أوكلاهوما» وفيلم «كازابلانكا»، فإنّ الجنس هو موضوع كبير في تلك الأمسية، لأن هارت ينتظر إليزابيث (مارغريت كوالي) تلميذته وحبّه الكبير إلى حد ما، وهي تشاركه هذا الحبّ ولكن ليس بالطريقة نفسها.
كلّ شيء يحدث داخل البار، حيث يحتفل الجمهور في يوم العرض الأول، وفي الوقت نفسه ينطلق بطلنا في مونولوج مبهر ومتوتر تقريباً وطويل على طول الفيلم. هو جريح قريب جداً من الهذيان ويشعر كما يقول إنّ «الحياة أصبحت فجأة عتيقة». من المكان الواحد والليلة الواحدة، نرى كيف عاش هارت، فالمخرج ليس مهتماً بالسيرة، بل بالحياة عبر لحظة واحدة. يتدفق «القمر الأزرق» عبر الشاشة كأنّه مأساة، لكن من دون أن ينجرف إلى الأماكن المملّة للحنين إلى الماضي والعبارات المبتذلة عن الحزن. ونظراً إلى قيود المكان، يشبه الفيلم المسرحية، حيث تتألق نصوصه.
لقد آمن لينكيتر دائماً بالكلمات، في إخراج الكلام، وبهذا المعنى، يعدّ فيلمه مديحاً للكلمة. حبّ لينكيتر للكلمات هو حب كامل. كلّ شيء هو كلمة، وكلّ جملة مصمّمة بشكل مثالي، منظمة وملهمة، حتى منحوتة في كل فجوات الزمن. «القمر الأزرق» صغير في تركيبته، قريب من التحفة، مضحك، فيه القليل من الألم، ومساحة كافية لحكاية خفيفة، وبعد ذلك فيه حزن عميق يكتسح كل شيء.
